يحيى بن معاذ الرازي
32
جواهر التصوف
أحبّك حبّين حبّ الهوى * وحبا لأنّك أهل لذاكا فأمّا الذي هو حبّ الهوى * فشغلى بذكرك عمّن سواكا وأمّا الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتّى أراكا فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا وقال الإمام الغزالىّ معلّقا على كلامها هذا : « لعلّها أرادت بحبّ الهوى : حبّ الله لإحسانه إليها ، وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة ؛ وبحبه لما هو أهل له : الحب لجماله وجلاله إذا انكشف لها . * ويعلّق الهجويرى على عبارة يحيى بن معاذ قائلا : « لأن كلا هذين ( الجفاء والعطاء ) في الحب سبب ، والأسباب تتلاشى في حال وجود الأعيان ، ويطيب للحبيب بلاء الحبيب ، والوفاء والجفاء يتساويان في تحقيق المحبة ، وحين تحصل المحبة يكون الوفاء كالجفاء والجفاء كالوفاء » ( كشف المحجوب 2 / 556 ) . ويحكى أنهم احتجزوا الشّبلىّ في المارستان بتهمة الجنون ، فجاءه جماعة لزيارته فسألهم : من أنتم ؟ قالوا : أحباؤك ، فرماهم بالحجارة ففروا من أمامه فقال لهم : كذبتم ، لو كنتم أحبائي لما فررتم من بلائي . * كيف نصل إلى محبة الله ؟ . . يقول معروف الكرخي : « المحبة ليست من تعليم الخلق ، إنما هي من مواهب الحق وفضله » . وقال النصراباذى : « باتباع السّنّة وبأداء الفرائض تنال القربة ، وبالمواظبة على النوافل تنال المحبة . . » وقد أصاب الشيخان فيما قالاه ، فكل خير يناله العبد فهو من فضل الله ، كما أن النوافل سبب لحصول محبة الله . . روى البخاري في كتاب التواضع عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : قال الله تعالى : « من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إلىّ عبدي بشئ أحبّ إلىّ مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى بها ، وإن سألني لأعطينّه ، ولئن استعاذنى لأعيذنّه ، وما ترددت عن شئ أنا فاعله تردّدى عن نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت ، وأنا أكره مساءته » . . * * * 29 - « لو أنّ مؤمنا مات من حبّ ملك أو نبىّ ، لم يكن عجبا منه ، فكيف من حبّ الله ؟ ! » . * بعيدا عن حبّ الشّهوة ، الحب يبعثه شيئان . . فأنت قد تحب كاتبا أو رسّاما لموهبته وتميّز