يحيى بن معاذ الرازي
3
جواهر التصوف
[ مقدمه ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين . . وبعد : فحكاية هذا الكتاب وبداية أمره كانت مع نفسي ؛ فهي ككل النفوس تعشق الحكمة وتميل إليها ؛ لأن الحكمة خلاصة تجارب وعصارة فكر ، وتجمع في ألفاظها القليلة معاني جليلة ، وهي « ضالة المؤمن » كما جاء فيما يرويه ابن ماجة والترمذي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وقيل : إن الحكمة جند من جنود اللّه ينير الطريق للسالكين بما يفيض عليهم من العلم ببواطن الأمور وأسرار الربوبية والفهم عن اللّه ، فتقوى بذلك قلوبهم ، قال تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] . ومن الحكم الدينية التي جذبتنى إليها من عشرات السنين - بعد حكم ابن عطاء اللّه السكندرى - حكم يحيى بن معاذ الرازي الزاهد الواعظ ، وعباراته ومناجاته ؛ ففكرت في جمعها ، وخصصت لذلك كراسة . . وكنت كلما وقفت على عبارة من عباراته - أثناء مطالعاتى ، سارعت بتسجيلها ، وهكذا كانت البداية . . ثم جاءت المرحلة الثانية منذ سنة تقريبا بخاطر ملحّ أن أقوم بالبحث عن حكم الشيخ في مظانها ، وأن أستكمل جمعها ثم أتولى شرحها والتعليق عليها . . فشمرت عن قدم وساق - كما تقول العرب - وفي همة واهتمام قلّبت صفحات الكتب ، كتب التراجم ، والرجال ، وكذا كتب الزهد والتصوف والأخلاق ، وكانت أكثر من أربعين كتابا ، وبعون اللّه وبتيسير منه تحقق المراد ، وصار في حوزتى من جواهر كلماته ما يربو على الثلثمائة . ونهضت لاستكمال المسيرة مع يقيني أن وراء الأكمة ما وراءها ، وأنه ما زال هناك خبىء - من كلمات الشيخ - في بطون الكتب التي لم تصل إليها يدي ، ولم يقع عليها بصرى . . وقد تحقق صدق يقيني في أثناء شرحي لحكمه ، كنت أعود إلى بعض الكتب لتساعدنى في فهم بعض حكمه أو لتعيننى في إيضاحها والتعليق عليها . فكنت أعثر على ضالتي من الحكم في صفحات هذه الكتب ومطاويها . وفي مجال التعرف على شيخنا يحيى وجدت في كتاب الفهرست لابن النديم أن له كتاب « المريدين » فبحثت في اهتمام عنه قبل أن أشرع في إنشاء كتابي هذا ، وخاصة أن اسمه يدل على أن له صلة وثيقة بحكمه . . وذهبت محاولاتى في التنقيب عنه والوصول إليه أدراج الرياح . . بدأت بمحال بيع الكتب وختمت بالسفارة الإيرانية ؛ فالمؤلف فارسي الأصل ، ولد وعاش ومات بها . وبينهما في رحلة البحث مررت بمكتبة الأزهر ، ثم دار الكتب ، ثم بقسم المكتبة الشرقية منها والتي وجّهنى إليها أستاذ اللغات الشرقية بجامعة القاهرة ، ثم دار المخطوطات ، وكذلك معرض الكتاب العام الفائت سنة 1420 ه / 2000 م . . . ولما أعياني البحث طويت عنه كشحا وضربت عن ذكره