يحيى بن معاذ الرازي
27
جواهر التصوف
والثالثة أعلاها وأجلها . . ففي مجال الوهب يقول يحيى بن معاذ : « من أشخص بقلبه إلى الله انفتحت ينابيع الحكمة من قلبه وجرت على لسانه . . » وفي مجال التلقي عن الصالحين يكون بالقدوة أكثر ما يكون بالتلقين ، ويتم ذلك بحفظ حرمات الصالحين والتأدّب معهم ، انظر إلى ما اشترطه نبي الله موسى - عليه السلام - على نفسه في صحبته للرجل الصالح : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [ الكهف : 69 ] . . وعن السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها - قالت : « أمرنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم » . وذكر الإمام الغزالي - رحمه الله - في رسالة له « الأدب والدين » في آداب المتعلم مع معلمه ، قال : يبدؤه السلام ، ويقلّ بين يديه الكلام ، ويقوم له إذا قام ، ولا يقول قال فلان ما قلت ، ولا يسأل جليسه في مجلسه ، ولا يبتسم عند مخاطبته ، ولا يشير عليه بخلاف رأيه ، ولا يأخذ بثوبه إذا قام ، ولا يستفهمه عن مسألة في طريقه حتى يبلغ إلى منزله ، ولا يكثر عليه عند ملله » . * وروى ابن عساكر عن علي رضى الله تعالى عنه حديثا يرفعه « إذا ألف القلب الإعراض عن الله تعالى ابتلاه الله بالوقيعة في الصالحين » وقال المؤتمن الساجي : « لا أصل لهذا القول عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم » ( تنزيه الشريعة : 2 / 317 ) . * * * 19 - « الحكمة جند من جنود الله تعالى يقوّى بها قلوب أوليائه ؛ ويقال إنّ الكلام إذا خرج من القلب يقع في القلب ، وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الأذنين » [ اللمع : 368 ] . * هكذا وردت في كتاب اللمع للطوسي من غير فاصل بين العبارتين ، ولم أجدها في غيره ، وبذلك أصبح من العسير الحكم بخصوص العبارة الثانية ، وهل هي استرسال من ابن معاذ وتكملة للعبارة الأولى أو أنها من إيراد الطوسي تعقيبا على العبارة الأولى . . عموما في الحالتين لا بأس . . والحكمة جند من جنود الله ينير بها الطريق للسالكين بما يفيض عليهم من العلم ببواطن الأمور ، وأسرار الربوبية ، والفهم عن الله ، فتقوى بهذا قلوبهم . . قال تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ البقرة : 269 ] . * * * 20 - « العبرة بالأوتاد ، والمعتبر بالمثقال » [ طبقات السلمى : 27 ] * الأوتاد : الجبال . . قال تعالى : وَالْجِبالَ أَوْتاداً [ النبأ : 7 ] .