يحيى بن معاذ الرازي

216

جواهر التصوف

352 - « أهل المعرفة وحوش الله في الأرض » [ الحلية : 10 / 60 ] هكذا وردت وجاء في الحلية في أثرها : لا يأتنسون إلى أحد وفي غيرها « لا يستأنسون بالناس في الدنيا » وأرجح أن ما جاء في الحلية أو في غيرها في هذه العبارة من كلام شيخنا يحيى بن معاذ وتكملة لعبارته . وتعدّ بمثابة شرح لصدر العبارة فهم كالوحش في البرّيّة لا يألف الناس ولا يساكنهم بالطبع الغرزىّ فيه بينما العارف لا يستأنس بهم لأنسه بربه وإن كان يجالسهم بجسمه ، وقالوا : « إنّ من علامة الإفلاس الأئتناس بالناس » ، وقد استشهدنا قبلا في مثل هذا ببيتي رابعة التي تقول فيهما : إني جعلتك في الفؤاد محدّثى * وأبحت جسمي لمن أراد جلوسى والجسم منّى للحبيب مؤانس * وحبيب قلبي في الفؤاد جليسى وفي عبارة شيخنا : قصر عدم الأئتناس بالناس على الدنيا . أمّا الآخرة فإن الأمر يختلف . . فإنهم في جنات النعيم على سرر متقابلين . * * * 353 - « الزاهد سيّار ، والعارف طيّار » [ اللمع / 465 ، 442 نسبها الطوسي إلى يحيى بن معاذ بينما نسبها القشيري في الرسالة 244 إلى أبى يزيد ] * هناك فرق في السّرعة بين السّير والطيران ، وكذلك بين الزاهد والعارف في الإنتقال بين المقامات والأحوال ؛ فالعارف يطير والزاهد يسير ، فالعارف أسرع وأمضى في قصده إلى مطلوبه من الزاهد الذي يشغله بعض الشئ مأكله ومشربه . * وما الحال ؟ ، وما المقام ؟ . . الحال : معنى يرد على القلب من غير تعمّد ولا اكتساب ؛ كالرضا والسرور والألم والتفويض والحزن وغير ذلك من الأحوال فيتبدل حال القلب ، قال تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [ الأنفال : 24 ] وهذا الحال سريعا ما يزول . . وقال آخرون : الحال : ما يحل بالأسرار « أي القلب » من صفاء الأذكار ، ولا يزول ، فإن زال لا تكون حالا . . والمقام : هو إقامة الرجل بظاهره وباطنه في حقائق الطاعات مثل مقام الصابرين والمتوكّلين وهي مكاسب حصل عليها المريد في رحلة فراره إلى الله جلّ وعلا . . فإذا أقام في شئ من هذه المقامات فهو مقام حتى يمنّ الله عليه وينتقل إلى مقام آخر حتى يصل إلى مقام الفّردانيّة « التوحيد » . * * *