يحيى بن معاذ الرازي
19
جواهر التصوف
إلى كل شئ ، ولا شئ أبعد إليه من شئ ، لا بمعنى المسافة ؛ لأنه منزّه عن ذلك . 6 - لما كان الروح موجودا قبل وجود الجسد ، ويكون موجودا بعد عدم الجسد ؛ علمنا أنه سبحانه وتعالى كان موجودا قبل كون خلقه ، ويكون موجودا بعد فقد خلقه ، ما زال ولا يزال وتقدس عن الزوال . 7 - لما كان الروح في الجسد لا يعرف له كيفية ؛ علمنا أنه مقدّس عن الكيفية . 8 - لما كان الروح في الجسد لا يعلم له أينيّة ؛ علمنا أنه منزّه عن الأينية والكيفية ، فلا يوصف بأين ولا كيف ، بل الروح موجودة في كل الجسد ما خلا منها شئ من الجسد ، وكذلك الحق سبحانه وتعالى موجود في كل مكان ، ما خلا منه مكان ، وتنزه عن المكان والزمان . 9 - لما كان الروح في الجسد لا يدرك بالبصر ، ولا يمثّل بالصّور ، علمنا أنه لا تدركه الأبصار ولا يمثّل بالصور والآثار ، ولا يشبّه بالشموس والأقمار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . 10 - لما كان الروح لا يحسّ ولا يمسّ ؛ علمنا أنه منزه عن الحسّ والجسم ، واللّمس والمسّ ، فهذا معنى قوله « من عرف نفسه عرف ربّه » فطوبى لمن عرف ، وبذنبه اعترف . * في هذا الحديث تفسير آخر ، وهو أنك تعرف أن صفات نفسك على الضد من صفات ربك ، فمن عرف نفسه بالجفاء والخطأ عرف ربه بالوفاء والعطاء ، ومن عرف نفسه كما هي ، عرف ربه كما هو ؛ واعلم أنه لا سبيل لك إلى معرفة إياك كما إياك ؛ فكيف لك السبيل إلى معرفة إياه كما إياه ، فكأنه في قوله « من عرف نفسه عرف ربه » ، علّق المستحيل على مستحيل ؛ لأنه مستحيل أن تعرف نفسك وكيفيتها وكميتها ؛ فإنك إذا كنت لا تطيق بأن تصف نفسك التي هي بين جنبيك بكيفية وأينيّة ولا بسجيّة ولا هيكليّة ، ولا هي بمرئية ؛ فكيف يليق بعبوديتك أن تصف الربوبية بكيف وأين ؟ ! ! وهو مقدس عن الكيف والأين ، وفي ذلك أقول : قل لمن يفهم عنّى ما أقول * قصّر القول فذا شرح يطول هو سرّ غامض من دونه * ضربت واللّه أعناق الفحول أنت لا تعرف إياك ولا * تدر من أنت ولا كيف الوصول لا ولا تدرى صفات ركّبت * فيك حارت في خفاياها العقول أين منك الرّوح في جوهرها * هل تراها فترى كيف تجول هذه الأنفاس هل تحصرها * لا ولا تدرى متى منك تزول أين منك العقل والفهم إذا * غلب النّوم فقل لي يا جهول أنت أكل الخبز لا تعرفه * كيف يجرى منك أم كيف تبول