يحيى بن معاذ الرازي

188

جواهر التصوف

المحبة . . وأنها الدنيا ليست المحطة الأخيرة التي فيها المقيل ، بل الزاد منها والمقيل في غيرها . * كما يذكّرنا بأن اللّه أراد خلق آدم وأحب ذلك . . فاجتمعت فيه الإرادة والمحبة . . والسّعيد في الدنيا والآخرة من اجتمعت فيه إرادة اللّه ومحبته . * * * 291 - « من طلّق الدنيا فالآخرة زوجته ، فالدنيا مطلقة الأكياس ، لا تنقضى عدّتها أبدا . فخلّ الدنيا ولا تذكرها ، واذكر الآخرة ولا تنسها ، وخذ من الدنيا ما يبلّغك الآخرة ، ولا تأخذ من الدنيا ما يمنعك الآخرة » [ الحلية : 10 / 54 ] . * الطّلاق الرّجعىّ لا يزيل الزّوجيّة أثناء العدّة فللزوج الحقّ في أن يراجع فيها زوجته بدون رضاها وبدون عقد ، وعلى المطلقة رجعيا أن تقيم مع زوجها في مسكنه مدة العدة لا يمسها إلا إن راجعها وإن انتهت هذا العدة ولم يراجعها أصبحت أجنبية وهكذا يكون حال الأكياس مع الدنيا يساكنها ولا يقربها كأنها معتدة . * يترك الدنيا ولا يذكرها ، ويذكر الآخرة ولا ينساها ، فالإكثار من ذكر الشئ يغرس محبّته في النّفس ، ثم يصبح دليلا على محبة الشئ . * * * 292 - « من كانت الحياة قيده ، كان طلاقه منها موته » [ الحلية : 10 / 57 ] . * إن النّفوس الكبار لا تحتمل الصّغار ، فلا تركن إلى الدنيا وهي متاع زائل ، وخيال حائل ، ولكنها توّاقة إلى لقاء ربها ، ويكون يوم طلاقها بالموت هو يوم انطلاقها إلى عالم الملكوت . نقل عن الإمام الغزالي أنه قال لبعض أصحابه يوما : ائتني بثوب جديد ، فإني أريد أن أدخل على الملك ، فأتى له بما طلب ، فأخذه وطلع به إلى بيته ، ولما أبطأ في النزول ، ذهبوا إليه فوجدوه ميتا ، وبجواره هذه الأبيات : قل لإخوان رأوني ميتا * فبكونى ورثوا لي حزنا أتظنّون بأنّى ميتكم * ليس ذاك الميت واللّه أنا أنا في الصّور وهذا جسدي * كان بيتي وقميصى زمنا أنا كنز وحجابى طلسم * من تراب كان ضيقا وعنا أنا درّ قد حواه صدف * لامتحانى فنفيت المحنا أنا عصفور وهذا قفصى * طرت عنه وبقي مرتهنا