يحيى بن معاذ الرازي

183

جواهر التصوف

وإذا واروه التراب رجع أهله ، ولم يبق معه إلا عمله . . وكان أول ما ترك خلفه ماله الذي أفنى شبابه وصحّته في جمعه وقد يكون قد أغضب ربّه في جمعه وتحصيله ، تركه كله لغيره ، وقد يؤول إلى عدوّه من بعده ، والمصيبة العظمى أنه يحاسب عليه يوم القيامة مليما مليما ، كيف اكتسبه من حلال أو من حرام ؛ وفيم أنفقه : في مرضاة اللّه أو في معصيته . هل أخرج منه زكاة المال أم بخل وضنّ بها على الفقراء والمساكين . . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تزولا قدما عبد حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن علمه فيم فعل فيه ، وعن ماله ، من أين اكتسبه ، وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيم أبلاه » [ صحيح الجامع الصغير ] . * * * 278 - « الدنيا خمر الشيطان ، من سكر منها لا يفيق إلا في معسكر الموتى نادما من الخاسرين » [ الصفوة : 4 / 98 ] . * الخمر : ما خامر العقل أي غطّاه وستره ، أي عطّل وظيفته ، والشيطان العدو الأول للإنسان الذي أقسم أنه سيخنس لابن آدم في كمائن للشر ، وسينصب له حبائله في كل مكان ، يشغلهم بالدنيا ويزيّن لهم حرامها ويكرّههم في حلالها ، ويغريهم بملذّاتها ، فتخبطوا في طلبها لا على هدى ولا رشاد كأنهم سكارى وما هم بسكارى . . . ويظلون على حالهم ، ولا يفيقون منها إلا على سكرات الموت ، وشدّة الحساب ، ( وقد ذهبت السكرة وجاءت الفكرة ) ، وتمثل لهم بشاعة ما فعلوا ، وعظيم ما صنعوا . . وندموا ولات ساعة مندم . . وحالهم هذ يذكّرنا بحال امرئ القيس الشاعر العربيد وقد جاءه خبر مقتل أبيه وهو في مجلس شرب فقال : « اليوم خمر وغدا أمر . . . » لكن أمر غدهم ليس في يدهم ، فالأمر يومئذ للّه . * * * 279 - « الدنيا دار خراب ، وأخرب منها قلب من يعمّرها ؛ والآخرة دار عمران ، وأعمر منها قلب من يطلبها » [ الصفوة : 4 / 95 ] . * الدنيا دار خراب وذلك لقصر عمرها بالنّسبة للآخرة ، كما أن عمر الإنسان فيها قصير ، كما أن نعيمها لا يخلو من مرارة ، هذا غير المصائب والمحن ، قد كتب علينا فيها الكبد ، كما أنها . . كما جاء في الخبر : « حلالها حساب وحرامها عذاب » ، وقال ابن عمر رضى اللّه تعالى عنهما : « من أصاب شيئا من الدنيا نقص من آخرته ، وإن كان كريما على اللّه تعّوذ باللّه من مكر اللّه . . . » . ومن جعل الدنيا همّه ونسي آخرته كان قلبه خربا لا يعمّره ذكر اللّه ولا الشوق إلى لقائه في دار البقاء في جنات عرضها السماوات والأرض لا يتحول عنها أبدا . . * * *