يحيى بن معاذ الرازي

182

جواهر التصوف

* المفاوز : مفردها مفازة ؛ وهي الصحراء الخالية من أسباب الحياة ، وسميت كذلك تيمّنا لأن من عبرها وخرج حيّا فقد فاز . . وعبارة شيخنا عن مفاوز الدنيا - فإنها على الحقيقة تقطع بالأقدام والدواب وما استجدّ من سبل المواصلات ، أما مفاوز الآخرة فهي على التمثيل ، فالطريق إلى الجنة يحتاج إلى أعمال القلوب أكثر من أعمال الجوارح من عقيدة سليمة ، ونية خالصة للّه إلى جوار عمل الجوارح ، وهذه البنود الثلاثة هي ما تشير إليه الآية الكريمة : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [ الإسراء : 19 ] يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « حفّت الجنّة بالمكاره ، وحفّت النار بالشهوات » [ صحيح الجامع الصغير ] وما أصدق المثل الشعبي : « مفيش حلاوة من غير نار » . * * * 276 - « يا بن آدم ، طلبت الدنيا طلب ما لا بدّ منها ، وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له إليها ، والدينا قد كفيتها ، وإن لم تطلبها ، والآخرة بالطلب منك تنالها ؛ فاعقل شأنك » [ الصفوة : 4 / 93 ] . * من غباء ابن آدم التكالب في السعي لتحصيل الرزق وهو مضمون له ، وتهاونه في فعل الطاعات وهو مكلّف بالقيام بها ، فنراه يطلب الدنيا كأنها منتهى أمله ، ويركب الصّعب في طلبها ، ويرتكب الموبقات من غشّ وتدليس وتزوير ونفاق وسرقة وقتل لنيلها ، وقد ضمن اللّه له الرزق ؛ قال تعالى : الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ [ الروم : 40 ] فما يتم الخلق إلا ويجرى عليه الرزق . . ويقابل هذا تهاونه في طلب الآخرة بينما هو مطالب بها ، ولا تتم سعادته فيها إلا بمقدار ما سعى لها ؛ واللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا . . فلم التهاون فيما هو مطلوب ، والاجتهاد فيما هو مضمون . . أين عقلك يا بن آدم ، قال شقيق بن إبراهيم : « وافقني الناس في أربعة أشياء قولا ، وخالفونى فيها فعلا : أحدها : أنهم قالوا إنا عبيد اللّه ويعملون عمل الأحرار ؛ والثاني : قالوا : إن اللّه كفيل لأرزاقنا ، ولا تطمئن قلوبهم إلا مع شئ من الدنيا ؛ والثالث : قالوا : إن الآخرة خير من الدنيا ، وهم يجمعون المال للدنيا ؛ والرابع : قالوا لا بدّ لنا من الموت ، ويعملون أعمال قوم لا يموتون » . * * * 277 - « مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعبد - في ماله عند موته - يؤخذ عنه كلّه ، ويسأل عنه كله » [ الصفوة : 4 / 92 ] . * إذا مات ابن آدم مات عن ثلاث : ماله ، وأهله ، وعمله . . فإذا خرج في نعشه خلّف وراءه ماله ،