يحيى بن معاذ الرازي

169

جواهر التصوف

257 - « الصبر على النّاس أشدّ من الصّبر على النّار » [ الحلية : 10 / 66 ] النار يمكن تجنبها ، أمّا الناس فلا يمكن تجنب معاشرتهم ، فالإنسان مخلوق اجتماعىّ بفطرته ، حياته تقوم على غيره . . وقد يكون مصدر أذاه واحد من ذوى قرباه ، وطعنة الصّديق أشدّ إيلاما من طعنة العدوّ . . والناس تختلف طبائعهم كما تختلف أشكالهم وألوانهم . ومن أراد السلامة في دينه عليه بالصبر في معاملة الناس ، فالصبر على بعد الحبيب والأخ الوفىّ مشقّة ، والحلم في مواقف الجهاد مشقّة ، والعفو على أذى الناس مشقة ورحم اللّه الشاعر الحكيم : ومن نكد الدّنيا على المرء أن يرى * عدوّا له ما من صداقته بدّ وقالوا اقترب من الناس كاقترابك من الناس لتستفيد منها ، ولا تقترب أكثر فتحرقك . * * * 258 - « لا تضيّع حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك وبينه من المودّة » * لقد رأينا الأنصار - رضى اللّه تعالى عنهم - يفسحون لإخوانهم المهاجرين رضى اللّه تعالى عنهم - في حقوق الأخوّة حتّى عرض سعد بن الربيع على عبد الرحمن بن عوف أن يقاسمه في ماله وأن يطلّق إحدى زوجتيه فيتزوجها عبد الرحمن بعد انقضاء عدّتها ويرفض عبد الرحمن بن عوف عرض أخيه الأنصاري ويقول له : بارك اللّه لك في مالك وأهلك ، بل دلني على السوق . وحتى قال المهاجرون للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا رسول اللّه ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم ، أحسن مواساة في قليل ، ولا أحسن بذلا من كثير ، كفونا المؤنة ، وأشركونا في المهنأ ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كلّه ( أي ولا يأخذ المهاجرون شيئا ) . قال : لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم لهم . . . » هذا هو السلوك الإسلامي السليم . وليس أن تضيع حقه ، فلا تنزله منزلته ، ولا توفّيه حقّه من الإكرام والتكريم إن لاقيته ، ولا تسلبه شيئا بماء الوجه . فما أخذ بماء الوجه فهو حرام ، ومن أمثالنا الشعبية : « إن كان حبيبك عسل ما تلحسوش كله » . * * * 259 - « ليكن حظّ المؤمن منك ثلاث خصال : إن لم تنفعه فلا تضرّه وإن لم تسرّه فلا تغمّه وإن لم تمدحه فلا تذمّه » [ الوفيات : 6 / 167 ، والصفوة : 4 / 91 ]