يحيى بن معاذ الرازي
151
جواهر التصوف
الباب السابع عشر التواضع قال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى : 225 - « عدم التّواضع خصال من فاته علمه بما خلق له ، وما خلق منه ، وما يعود إليه » [ الحلية : 10 / 68 ] . * التواضع من الضّعة ، أي رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقّه فضله ومكانته ، وذلك تفضّل منه بين ذوى فضل يعرفون قدره ، وإلا كان منقصة . * وأكبر ظنّ المرء بنفسه أنه متميّز عن غيره ، والمتكبّر من أظهر ذلك . وروى مسلم عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر » قيل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ، ونعله حسنة ، قال : « إنّ الله جميل يحبّ الجمال ، الكبر بطر الحقّ ، وغمط الناس » . بطر الحق : دفعه وعدم قبوله إما لأنه يخالف هواه ، أو لأن القائل به مختلف معه أو يحسّ أنه دونه . وغمط الناس : احتقارهم واستصغارهم . * وبالغ قوم فقالوا : إنّ التواضع أن لا تحس أنك متواضع ، فإحساسك أنك متميّز عمن حولك وأنك تتنازل عن بعض ما تستحقه من منزلة لكي تتواضع للناس - لا يعدّ هذا تواضعا ، بل إنه عين الكبر في داخلك . * والكبر خصلة من فاته العلم بما خلق له . قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 57 ] فالكلّ متساوون . . الكل عبيد . . مظهرهم واحد وتكاليفهم واحدة وبواطنهم يعلمها الله . . التمايز بينهم بالتقوى في عمل ونيّة ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] ويروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا فرق بين عربىّ ولا عجمىّ ولا أبيض ولا أحمر إلا بالتقوى » فمن تجاوز صفته وهي العبودية وادّعى أن له صفة يستحق التكبّر من أجلها على الناس ، فقد نازع الله صفته ( المتكبر ) بغير وجه حق . * والكبر خصلة من فاته العلم بما خلق منه ، قال تعالى : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [ المرسلات : 20 ] ، أي ماء حقير وهو النّطفة . مرّ الفاتح العظيم المهلّب بن أبي صفرة يوما يتبختر على مطرف بن عبد الله بن الشّخير ، فقال له : هذه مشية يبغضها الله ورسوله . فقال المهلّب : أما تعرفني ؟ فقال : بل ، أعرفك : أو لك نطفة مذرة ( مذرت أي فسدت ، فهي قابلة للفساد سريعا ) ، وآخرك جيفة قذرة ، وأنت تحمل فيما بين ذلك العذرة . ( أي الغائط ) في جوفك بين النشأة