يحيى بن معاذ الرازي

152

جواهر التصوف

والجيفة . . فلا شئ يهم من البداية إلى النهاية . * الكبر خصلة من فاته العلم بما يعود إليه . . فسيعود حتما مهما طال به العمر إلى أمّه الأرض ، مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [ طه : 55 ] في هذه الآية الكريمة مرحلتان يصير إليهما المرء بعد النشأة : المرحلة الأولى : أنه زائل بالموت ويترك خلفه منصبه ووجاهته وماله حتى اسمه فقده فيما فقد من أسباب التكبّر ومفردات الغطرسة ، وصار يرمز إليه بالجثّة ، أو مع أحسن الاحتمالات وقمة التوقير يرمزون إليه بالمرحوم . أما المرحلة الثانية : وهي البعث وما بعده من حساب وجزاء ؛ قال تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ [ الأنعام : 94 ] . . أي كل ما كنتم تفاخرون به في دنياكم وتتكبرون به كان عارية منّا . . ثم كان الحساب ، والحديث القدسي : « الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار » . وقال الشاعر : أرى أبناء آدم أبطرتهم * حظوظهمو من الدّنيا الدّنيّة فلم بطروا وأوّلهم منّىّ * أو افتخروا وآخرهم منيّة * * * 226 - « لا يفلح من شمّت منه رائحة الرّياسة » [ الحلية : 10 / 53 ] . * شمّت منه رائحة الرياسة أي الكبر وحبّ الظّهور ، وهو قاصم للظهور ، ولا يفلح في طريق الله من استعلى على من حوله بعرض من أعراض الدنيا ، كمال أو علم أو عمل أو جاه . . وقال الإمام الشافعي « أرفع الناس قدرا من لا يرى قدره ، وأكثرهم فضلا من لا يرى فضله » . * ولا تدعو عبارة شيخنا يحيى إلى الخنوع والرّضا بالدّون وسفاسف الأمور . والحديث الصحيح : « إنّ الله تعالى يحبّ معالى الأمور وأشرافها ويكره سفسافها » ( السّفساف : الردئ الحقير من كل شئ والجمع سفاسف ) . ولكن يدعو إلى التواضع وهضم النفس . وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال : « رأيت التواضع أن تبدأ بالسلام على من لقيت من المسلمين ، وأن ترضى بالدّون من المجلس ، وأن تكره أن تذكر بالبرّ والتّقوى » ويروى أن أبا هريرة رضى الله تعالى عنه لما تولّى إمارة المدينة في خلافة مروان بن الحكم . كان يحمل حزمة الحطب إلى بيته على ظهره ، وذات يوم رأى ثابت بن أبي مالك في الطريق فقال له مازحا : وسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك ، أو قال : طرّقوا لأميركم . ويروى أيضا أن رجلا حمّل سلمان الفارسي أشياء اشتراها في السوق وهو لا يعرفه ، وكان سلمان وقتها أميرا على البلد . فحملها راضيا ، وسار في الطريق ،