يحيى بن معاذ الرازي

139

جواهر التصوف

* وللخلوة فوائد ؛ منها : السّلامة في الدّين بعيدا عن آفات الخلطة وما ينجم عنها من غيبة ونميمة وغير ذلك من المفاسد ؛ وكذلك توفر الوقت للعبادة والتفكر . . ولكن لا تصح الخلوة إلا بعد التّسلّح بالعلم الذي تسلم به العقيدة وتصح به العبادات ويصفو به الحال . * * * 200 - « الزّهد ترك البدّ » » . [ التعرف : 65 ] . * البدّ ( بضم الباء وفتحها وكسرها ) : النصيب من كل شئ ، وهنا المقسوم للعبد من متاع الدنيا ، قال تعالى : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [ القصص : 77 ] . أي أمسك ما يبلّغك ، فذاك حظ الدنيا ، وأنفق الفضل فذلك حظّ الآخرة . وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللّه : علامة الزهد السخاء بالموجود . * وقال أبو حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى : « الزهد يقع عندنا في الحلال والحرام ؛ فهو في الحرام فرض ، وفي الحلال نفل . . وقالوا : الزهد في محرمات الدنيا : زهد المسلمين ، به يحسن إسلامهم ؛ والزهد في شبهاتها : زهد الورعين ، به يكمل إيمانهم . والزهد في الإسلام عدم الانهماك بالكلية في شؤون الدنيا إلى الحد الذي تنسى معه شؤون الآخرة ، والحديث الصحيح : « من أصبح آمنا في سربه ( أي آمن النفس والقلب ، أو بمعنى آمنا على أهله وماله ) معافى في بدنه ، وعنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا » . ويقول الشاعر : حسب الفتى من دهره * زاد يبلّغه المحلّا خبز وماء بارد * والظّلّ حيث يريد ظلّا * والزهد في حلالها من فضل حاجات النفس زهد الزاهدين ، به يصفو يقينهم . وهناك سؤال : كيف يكون الزهد في الحلال ؟ . . قالوا : إذا أنفق ماله في الطاعات ، وعلم من حاله الصبر ، وترك التعرّض لما ينهاه عنه الشّرع في حال اليسر ، فحينئذ يكون زهده في المال الحلال أتمّ منه في الحرام . وقالوا أيضا : إن رزقه اللّه مالا من حلال شكره ، وإن وقفه اللّه على حدّ الكفاف لم يتكلف ما هو فضول المال ، فالصبر أحسن لصاحب الفقر ، والشّكر أليق لصاحب المال . وقال أبو الدّرداء : « ما أنصفنا إخواننا الأغنياء ؛ لأنهم يأكلون ونحن نأكل ، ويشربون ونحن نشرب ، ويلبسون ونحن نلبس ، ولهم فضول أموالهم ينظرون إليها ونحن ننظر إليها معهم ، وهم يحاسبون ونحن برآء منها » . ( أي أبرياء من الدنيا ) . * والبد : أيضا العوض ؛ وترك الزاهد للعوض أي أنه زاهد أيضا في جزاء زهده ، وذلك لاعتقاده أن اللّه جل جلاله مستحقّ للعبادة دون النظر إلى المقابل ، وأيضا لاعتقاده أن زهده في الدنيا لا يعدّ شيئا يستحق عنه العوض ، إذ إنها لا تساوى عند اللّه جناح بعوضة كما جاء في