يحيى بن معاذ الرازي

140

جواهر التصوف

الحديث الشريف ؛ فكيف يعدّ نفسه زاهدا من يزهد في شئ أقلّ من جناح بعوضة . . ؟ ! * * * 201 - « الزّهد ترك ما يرى لما لا يرى » * لا يزهد الزاهد فيما يراه - من متاع الدنيا وزينتها - رأى العين إلا لاعتقاده التام أن نعيم الآخرة أفضل وأبقى ؛ فما أخبرنا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أمور الغيب ، وإن كان لا يرى بالأبصار فإنه يرى فيها بالبصائر أي بالأفهام والعقول . . وفي تأويل الآية الكريمة : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الكهف : 7 ] ؛ قالوا : أي لنبلوهم أيهم أزهد فيها ، فصار الإحسان مقام الزاهدين ، وهو وصف اليقين . . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الإجابة عن سؤال الروح الأمين عليه السلام : ما الإحسان ؟ ، قال : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ( يعنى على اليقين والمشاهدة ) فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك » . * * * 202 - « لا يبلغ أحد حقيقة الزّهد حتى يكون فيه ثلاث خصال : عمل بلا علاقة ، قول بلا طمع ، عزّ بلا رياسة » . [ الإحياء 4 / 242 بلفظ علامة الزهد ثلاث : ] . * عمل بلا علاقة : أي قيام العبد بالعمل مع خلوص النّيّة للّه ، متعرّيا عن الالتفات إلى غيره ، ومن هذا ثواب العمل المترتب عليه . * قول بلا طمع : أي حرية الكلمة من تطلّعات النّفع وتوجّهات المصلحة ، بل هي خالصة للّه ، وهي الكلمة الطيبة وهي صدقة ، فهي ليست بهدف علو مركز ، ولا اتساع صيت ، ولا جرّ منفعة . ولذلك كانت « كلمة حق عند سلطان جائر » . « أفضل الجهاد » لأنها خالصة للّه . والحديث الصحيح « أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر » . * عز بلا رياسة : يتمثل العزّ في الغنى أو الجاه أو العشيرة أو القوة ، وإذا اجتمع للزاهد واحدة من هذه الصفات إلى جانب عزة نفسه : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] ، فإنه يهضم نفسه ويتواضع ؛ وهذا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أتاه ضيف ذات ليلة ، وهو يكتب ، وكاد السّراج يطفأ ، فقال الضيف : أقوم إلى المصباح فأصلحه ؟ فقال : ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه . قال : أفأنبّه . الغلام ؟ فقال : هي أول نومة نامها ، فقام وملأ المصباح زيتا ، فقال الضيف : قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ذهبت وأنا عمر ، ورجعت وأنا عمر ، ما نقص منى شئ . * * *