يحيى بن معاذ الرازي

127

جواهر التصوف

182 - « اعلم أن النفس والهوى لا تقهران بشئ أفضل من الصّوم الدائم ، وهو بساط العبادة ، ومفتاح الزّهد ، وطلع ثمرت الخير ، وأجساد العمال من شجراته ، دائم الجزاز ، دائم الإطعام ، وهو الطريق إلى مرتبة الصّدّيقين وما دونه فمزرعة الأعمال ، فثمر غرسها وربيع بذرها في تركها ، وفقدها في أخذها ، وليس معنى التّرك الخروج من المال والأهل والولد ، ولكن معنى الترك العمل بطاعة الله ، وإيثار ما عند الله عليها مأخوذة ومتروكة » فهذا معنى الترك ، لا ما تدّعيه المتصّوفة الجاهلون » [ الحلية : 10 / 65 ] . * هذه العبارة عن أهمية الصوم في قهر النفس والهوى * فالصبر يقهر النفس والهوى ويردع شهوات الإنسان ، وهي ساحة الشيطان وملعبه ، فإن الشّبع الزائد مجلبة للآثام ، ولذا قيّده الله في قوله الكريم وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ الأعراف : 31 ] والحديث الشريف : ما ملأ آدمىّ وعاء شرا من بطنه » وأيضا « الصّيام جنّة » أي ترس يتدرّع به الآدمىّ في صراعه مع النفس والهوى . * والصيام بساط العبادات ويابها ، فهو يسدّ الطريق على شهوات النفس وغزوات الشيطان ، فتكف الجوارح عن فعل الموبقات ، وتقبل على الطاعات . * والصوم مفتاح الزهد أي مدخل إليه ، ويعين عليه في ترك الحرام والإقلال من فضول الحلال . * والصوم طلع ثمرات الخير ، والطلع ما به إخصاب النخلة حتى تثمر ، كما يطلق على أعضاء التذكير في الزهرة ، وهو طلع أي يفتح عنه الكثير من الطاعات ، وأجساد العباد من شجراته المثمرة التي طرحها دائم ، ولذا كان جنيها دائم الجزاز ( أي الحصاد ) ؛ وما دونه من ملذات الدنيا ، فثمرتها في تركها ، وفقدها في أخذها ، وليس الترك معناه الخروج من المال والأهل والولد فهذا يجب رعايته ، ولكن أن يأخذ ما يأخذه لله ويترك ما يتركه لله مؤثرا ما عند الله علي كل ملاذها ، وهذا هو مذهب الصوفية الحقة لا ما يدعيه أدعياء التصوف . * * * 183 - في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [ فصلت : 30 ] قال : استقاموا أفعالا كما استقاموا أقوالا * أي طابق العمل القول باللسان ، وهذا هو الصدق مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [ الأحزاب : 23 ] .