يحيى بن معاذ الرازي

128

جواهر التصوف

184 - « لست بشاكر ما دمت تشكر ، وغاية الشكر التّحيّر » [ التعرف : 71 ] . * الشكر أبلغ من الحمد ، فالحمد ذكر الشئ بصفاته ، والشكر ذكره بصفاته ونعمه ، والشكر على ثلاث أضرب : أ - شكر بالقلب : هو تصوّر المنعم عليه للنعمة التي أسداها إليه سيّده ومولاه . ب - شكر باللسان : هو الثّناء على المنعم جل جلاله . . وذكر النعمة وإظهارها من الشكر عليها ، وروى البيهقي في شعب الإيمان : « التحدث بنعمة الله شكر ، وتركها كفر ، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله ، والجماعة بركة ، والفرقة عذاب ( صحيح ) . ج - شكر بالجوارح على ضربين : 1 - توظيف الجوارح فيما أحلّ الله ، فالعين - مثلا - للنظر في كتاب الله وللاعتبار ، وغير ذلك من الأعمال المباحة 2 - حفظ الجوارح بعدم استخدامها في ارتكاب ما حرم الله . * ونعم الله لا تحصى ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] . وما دامت نعمه - جل جلاله - فوق الحصر ، صار تمام شكره غير مقدور عليه ، لذا قال تعالى : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] . وممّا يصعّب على العبد شكر الله على نعمه إلا بفضله : كثرتها هذا إلى جانب إنا إذا ما شكرناه على نعمة ما ، فإن هذا الشكر نعمة يحتاج إلى شكر ، فإذا شكرناه ثانيا يحتاج إلى شكره ثالثا على نعمة شكره الثاني ، وهكذا في الثالث والرابع إلا ما لا يتناهى ، وهذا ما عبر عنه الشاعر : إذا كان شكري نعمة الله نعمة * علىّ له في مثلها يجب الشّكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله * وإن طالت الأيام واتصل العمر وقوله غاية الشكر التحير ، التحير في الله حالات تتولى قلوب العارفين بين اليأس والطمع في الوصول إلى مطلوبه فلا تطمعهم في الوصول فيرتجوا ويزيدهم ذلك سعيا في الطلب ، ولا ييأسهم عن الطلب فيستريحوا ، فعند ذلك يتحيرون ، وكان بعض الكبراء يقول في مناجاته : اللهم إنك تعلم عجزي عن مواضع شكرك ، فأشكر نفسك عنى . * * * 185 - « قوم على فرش من الذّكر في مجلس من الشّوق ، وبساتين من المناجاة ، بين رياض الأطراب وقصور الهيبة وفناء مجال الأنس ، معانقى عرائس الحكمة