يحيى بن معاذ الرازي
11
جواهر التصوف
أن يقيم ليحيى وليمة ترحيبا به ، فشاور امرأته فاطمة فيما ينبغي عمله من صنوف الطعام في الوليمة ( وكانت فاطمة امرأة صالحة ومن صلاحها أنها سعت للاقتران بأحمد بن خضرويه ؛ فقد أرسلت إليه قائلة : اطلبنى من أبى ، وكان أبوها أمير بلخ ، ووافق الأب تبرّكا بالشيخ ابن خضرويه ) ونعود للوليمة . . قالت فاطمة : يلزم كثير من البقر والخراف والحوائج والتوابل ، وكثير من الشّمع والعطر ، ومع كل هذا يلزم أيضا ذبح عشرين حمارا ، فسألها زوجها : ولماذا ذبح الحمير ؟ قالت : حين ينزل كريم ضيفا على بيت كريم ، أما يجب أن تعرف كلاب الحىّ ذلك ؟ ! * وكان يحيى بن معاذ يعرف قيمة الكلمة الطيبة ولمن ؟ ومتى تقال ؟ فقال - وقد قيل له يوما : فلان ، لو وعظته ؟ - فقال : قفل قلبه قد ضاع مفتاحه ؛ لا حيلة لنا فيه . ويحيى بن معاذ هو القائل : « أحسن شئ كلام صحيح ، من لسان فصيح ، في وجه صبيح » ( والصباحة هنا بمعنى النضرة التي تجول في وجوه الصالحين ) « وكلام رقيق دقيق يستخرج من بحر عميق ، على لسان رجل رفيق » . وهو القائل : « الكلام الحسن حسن ، وأحسن من الكلام معناه ، وأحسن من معناه : استعماله ، وأحسن من استعماله : ثوابه ، وأحسن من ثوابه : رضا من يعمل له » . * شيخنا يحيى وتفسير الأحلام : ذكر ابن الملقّن في طبقات الأولياء له في ترجمة أبى تراب عسكر بن حصين النخشبى المتوفى 245 ه : « روى عن أبي تراب قال : وقفت بعرفات خمسا وعشرين وقفة ، فلما كان من قابل رأيت الناس بعرفات ، ما رأيت أكثر منهم عددا ، ولا أكثر خشوعا ودعاء ، فأعجبني ذلك ، فقلت : اللهمّ من لم تقبل حجّته من هذا الخلق فاجعل ثواب حجتي له . وأفضنا من عرفات وبتنا بجمع ، فسمعت في المنام هاتفا يهتف بي « تتسخّى علىّ وأنا أسخى الأسخياء ؟ ! وعزّتى وجلالي ما وقف أحد هذا الموقف إلا غفرت له » ، فانتبهت فرحا بهذه الرؤيا ؛ فرأيت يحيى بن معاذ الرازي ، فقصصت عليه الرؤيا ، فقال : إن صدقت رؤياك فإنك تعيش أربعين يوما ، فلما كان يوم أحد وأربعين جاءوا إلى يحيى ، وقالوا : إنّ أبا تراب مات ، فغسّله ودفنه » « 1 » . * شيخنا وآل البيت : أثناء وجود شيخنا يحيى ببلخ دخل على علوىّ زائرا ومسلما عليه ، فقال له العلوي : أيّد اللّه الأستاذ ، ما تقول فينا أهل البيت ؟ قال يحيى : ما أقول في طين عجن بماء الوحي ، وغرس بماء الرسالة ، فهل يفوح منهما إلا مسك الهدى وعنبر التقى ؟ فحشا العلوي فاه بالدر .
--> ( 1 ) وهذه القصة نسبت أيضا إلى أبى الحسن علي بن الموفق ت 265 ه دون ذكر ليحيى بن معاذ ( انظر حلية أبي نعيم 10 / 312 ) وبخصوص موت أبى تراب نجد في الحلية 10 / 49 ، روايتين : إحداهما أن موته كان في البادية ، والثانية تؤكد أن السباع نهشته .