الحارث المحاسبي
14
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )
لم تمنعه حشمة الأبوه عن إعلان رأيه ، وإنذار أبيه ، ما دام الأمر يتصل بالإسلام الذي بدأ يسري في أوصال الحارث ، ليجعل منه هو الآخر صورة متحركة مجاهدة قويمة قوية الحركة والكلمة ، صادقة صدق الإسلام ، ونقية نقاءه ، ومنصورة بنصر اللّه القاهر . ملامح شخصيته : حينما حدد الحارث الفتى اتجاهه السني الإسلامي ، كان يمكن أن يكون سنيا تقليديا كغيره من أهل السنة من العلماء : يعني بالرواية والدراية في الحديث ، وينسلك في إطار مذهب من المذاهب الأربعة ، وغاية ما يصل إليه أن تكون له اجتهادات مقيدة بمذهبه ، أي اجتهادات في الترجيح ، وليست مطلقة لا تتقيد بأفكار إمام بعينه . وكان يمكن أن يلجأ إلى حلقات بغداد فيحدد الفرع الذي يتخصص في دراسته بتوسع من بين فروع العلم السني المعروف ، من الحديث أو التفسير أو الأصول أو غيرها ، ثم لا شيء وراء ذلك . ولكن الفتى الذي لم يقلد أباه ، والفتى الذي أعلن كفر أبيه كما يرى دون أن يتقيد بخلاف العلماء في كفر القدرية فيلتمس لأبيه وجها من وجوه الإسلام على أساسه ، هذا الفتى ليس هو الذي يندفع مع صف الطلاب حتى يختار مكانه من الصف دون بحث ولا فحص ولا تدقيق . لقد خلا المحاسبي إلى نفسه زمانا طويلا يفكر ، ويقلب أمره على وجوهه ، ويحاول أن يجد مكانه في صف أهل السنة بشروط محدودة هي : 1 - أن يكون متفقا تمام الاتفاق مع أفاعيل الصحابة ومسالكهم . 2 - أن يكون بعيدا عن الخلاف ، لأن الأمة في حاجة إلى اتفاق ، وليست في حاجة إلى الخلاف . 3 - أن ترتبط تعاليمه ودراساته وسلوكه بعالم الآخرة ، فلا تنفصل البداية عن النهاية . وبحث طويلا ، وانتهى به البحث إلى أن حلقات الحديث يسيطر على أهلها الإعجاب وحب الشهرة . وأن علماء الفقه يعيشون بين دوامة الخلاف ، وحب الانتصار للرأي ، وأن علماء الآخرة من أهل السلوك ليسوا كما يريد : من الأخفياء الأتقياء الذين يرجحون الآخرة على الأولى . هو إذن يريد بيئة علمية ملتزمة بسلوك الصحابة ، بعيدة عن الخلاف ، تؤثر التواضع والخفاء ، ولا تميل إلى الشهرة ، وتعنى بالجوانب الروحية عنايتها بالجوانب الشرعية . وكان مطلبا عزيز المنال ، طال به الزمان في البحث عنه ، حتى أصيب بما يشبه أن يكون أزمة