الحارث المحاسبي

15

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )

« اكتئاب نفسي » حددها في مقدمة كتابه « الوصايا » حيث ردد قوله : « فعظم همي وغمي لفقد الأدلاء ، وانطويت على نفسي » . وبعد بحث طويل اهتدى إلى من يريده مرشدا له في طريق الآخرة ممن يؤثر الخفاء ، والدار الآخرة على الدار الأولى . ولكنه لم يحدد لنا اسمه ، كما لم يحدد لنا شيوخه في علوم الشريعة الأخرى ، اللهم إلّا شيوخه في الحديث حيث ذكرهم لنا في إسناد ، لما رواه من الأحاديث . ويبدو أنه درس كل العلوم التي لا تحتاج إلى السند بنفسه ، دون أن ينتسب إلى شيخ معين ، ولم يلجأ إلى الشيخ إلّا في طريق الآخرة . وهنا تتحدد شخصيته المستقلة في : 1 - أنه كما يقول أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود طيب اللّه ثراه : كان مجتهدا مطلقا في الشريعة ، لأن الوضوء كما حدد ، في كتابه « فهم الصلاة » لا يتفق مع الوضوء كما حدده مذهب من المذاهب الأربعة ، بل إنه تتبع أسلوب الوضوء عند الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وعند أصحابه ، وسجل من مجموع ذلك صورة متكاملة لا شأن لها بالصور التي حددها الأئمة الأربعة المجتهدون . 2 - أنه عني بتدوين ( فقه ما لم يدونه الفقهاء ) في أبواب من كتبه ، مثل : من أم قوما فألزم قلبه الحذر في القراءة ، وباب الشهرة ، والاحتساب في سرور المسلم ، ومذاهب السلف عند غلبة الحرام على المطاعم ، ومذاهب الورع ، وأغاليط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلى غير ذلك من الأبواب التي أغفلها الفقهاء ، ولا يدونها إلّا مجتهد مطلق مستقل بعلمه ومذهبه . 3 - أنه نقد بشدة نفس المدرسة التي آثرها وهي المدرسة الروحية في كثير من آرائهم ، ورماهم بالغلظة والجهل بالأخبار فيما يتصل بالمكاسب وبالورع ، وسجل ذلك كله في كتاب المكاسب « 1 » ، مما يؤكد أنه كان مستقلا ، لم تفن شخصيته في شخصية المدرسة التي انتسب إليها كما هو شأن الغالبية العظمى من العلماء . 4 - أنه لا يعتمد على عموميات مشهورة في إصدار أحكامه ، وإنما يعتمد على المشاهدة الشخصية ، ومن أجل هذا عنى المحاسبي بدراسة أحوال مجتمعة بنفسه ، كما يبدو ذلك واضحا من حديثه عن الغزاة والتجار والقراء والصوفية في كتابه هذا الذي نقدمه للقراء ، إذ أنه لم يصدر حكما إلّا بعد مشاهدة وسماع شخصي ، وهو سبق لم نعهده في الفقهاء ولا في علماء السلوك إلّا نادرا من بعده .

--> ( 1 ) سبق لنا نشره .