الحارث المحاسبي

39

المسائل

ولكن الإنسان إذا عظمت رغبته في الطاعة ، ومنّ اللّه عزّ وجلّ عليه بالزهد ، فعالم يفعل من الخير الأقل بدعائه له ألا يفعل ، وبذلك يغفل عن أن يصيب الأكثر فيقبل الشيطان من الإنسان عند ذلك ترك الأكثر ، أما العبد فيكون معه من الرغبة في العمل ما لا بد أن يفعله ، ولو قد ثقل عليه أكثره ، فيتمسك بالأول وينتقل عن الأقل بردّ الأكثر . فيرى من قلة علمه وقلة تعاهده لعرفان ما بين فعله ووسوسته ، أنه لما صار إلى الأقل ، يفعل الأقلّ إذ أمره الشيطان بترك الأكثر . الأوراد « 1 » والأوقات قلت : فالأوقات والأوراد ، والزيادة فيها والنقصان ؟ قال : قد كانت الأوائل لهم أوراد لا يتركونها ولا ينقصون منها ، غير أنه يأتي على العبد أحوال يحسّ فيها الزيادة مع الإقبال ، فيجمع همه ، ويحسن فهمه ، ويحضر ذهنه ، فيستبطن فهم ما يقرأ ، ويشرف على معناه ، ويقيم على حدوده ، فتلك دواعي الزيادة ، ومعها تكبر الفائدة . فإذا انتهى من ورده فشرب منه ما أراده ، فقد حلّ منه انتهاؤه . فيجد مع فراغه منه فترة ، ومعه عظيم الرغبة في الزهادة . فإن كان ممن يريد أن يأتي على الليل ، فيجب ألا يذكر ما بقي عليه ، ولا ما مضى مما كان منه ، ولكن يذكر ما هو فيه ، فإنه أعون له عليه . ومنهم من ينتهي إليه ومعه قوة زوائد الرغبة ، واستحلى ما استبطن من الطاعة ، فحينئذ لا يقطع ما به أمده اللّه فإنّ تلك دوافع الطاعة . وقد قال من قلّ علمه : إنه لا ينبغي أن يزداد إذا تم ورده ، فقطعه عن الأجر ما قد حلّ به من الحرمان إذ أغلق الباب على نفسه . واعلم أنّ مما أنعم اللّه تعالى به على خلقه ، أن صير مع الطاعة في القلب راحة تجامعها فتلك دواعي زوائدها ، فأقل قليل ما يسكن في القلب من راحة الطاعة يحتمل معه أكثر ما يحتمل معه من الكلفة . وصيّر مع المعصية في القلب شدة تجامعها ، فتلك دواعي زوائد المعصية ، لأنّ أقلّ قليل تلك الشدة ينقص أكثر كثير تلك اللذة .

--> ( 1 ) الأوراد : ( ج ) الورد : النصيب من القرآن أو الذّكر .