الحارث المحاسبي

40

المسائل

فينبغي للعبد إذا دعته الراحة إلى الزيادة أن يجيبها ، وإذا دعته الشدة إلى الكلفة أن يدحرها « 1 » . قلت : فأي أوقات الليل الورد فيه أفضل ؟ قال : إنما يهتدي من أراد الأوراد بأخفّ الأشياء عليه . وأقواها له عليه السّبع الأول من الليل ، يجزئ فيه القرآن أسباعا ، ثم يجعل في كل سبع من الليل سبعا من القرآن حتى يصير إلى الثلث الأول من الليل . فإذا قوي على السبع الأول - والدليل على قوته رغبته - فلا يميل به السهر إلى أن يذكر الرجوع إلى الراحة أو الميل إلى ما ترك . فإذا لم يرغب في الرجوع إلى ما ترك ، ودعته الرغبة إلى الزيادة ، فلم يذكر بعد نقصانا من ورده ليتحول من وقت القرآن إلى وقت الصلاة مثلا ، فهذا دليل القوة . وينبغي له حينئذ الانتقال والزيادة . فإذا حلّت به القوة ، كانت كل أوقات الليل له مطية . فإذا أتى على ليله ، فذلك كذلك . وإن لم يأت عليه ، فأفضل الصلاة لأهل القوة الثلث الأوسط إلى آخره ، فإن الآخر إلى السحر ، ويكون وتره مما يلي الفجر . قلت : فصنع القوت من الطعام ألا نزيد عليه ؟ قال : إنّ هذا ليس من مذاهب الحكماء ، ولا رأي العلماء ، لأن الطبائع تختلف من الناس . فمنهم من يحتاج إلى الطعام في وقت أكله ، ويستغني عنه عند ذلك الوقت في يوم آخر ، وربما احتاج إلى طعام في حال ويستغني عن مثله في غير تلك الحال . ولكن أفضل ما أخذ من الطعام أخذ ما تحتاج إليه النفس ، ليس فيه زيادة ولا نقصان ، فيأخذ منه ما يعينها ، ويدفع عنها ما يطغيها . ولم يكن من مذاهب الأوائل ذكر الطعام ، ولا الاستغناء به ، فقد كانوا يجوعون ولا يشبعون .

--> ( 1 ) دحره دحرا ودحورا : طرده ودفعه بعنف وأبعده .