الحارث المحاسبي

38

المسائل

وقد روي عن الحكماء أنهم قالوا : « الحسنة زينة في الوجه ، وقوة في العقل ، والسيئة شين في الوجه ، ووهن « 1 » في العقل » . فهذا الذي يظهر للشيطان ، فيكون عنده الصدّ والتزيين ، ولا يعلم من الإنسان الأمر ، وقد قال اللّه عز وجل : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر : 19 ] . فلا يعلم خائنة عين عبد ، وما يخفي صدره إلا اللّه ربّ العالمين ، فهذا علم وصف اللّه به نفسه ، فلا يعلمه أحد إلا من وصف من رسله . قال اللّه تعالى : فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ] . وليس الشيطان من رسل اللّه عزّ وجلّ . وقال عيسى عليه السلام فيما أثبت من رسالاته على من دعاه : وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [ آل عمران : 49 ] . فما في القلوب أخفى مما في البيت . ومن حجج النبيين عليهم السلام أنهم يخبرون من يدعون بما يحدّثون به أنفسهم بما يعلّمهم اللّه عزّ وجلّ ، فلو كان الشياطين يعلمون دخائل الناس ما ثبتت حجج النبيين ، معاذ اللّه أن تقول هذا . ولو علمت ما في القلوب ، كان ما في الأرحام أظهر مما في القلوب . قلت : هل يدعو الشيطان مؤمنا إلى خير ، يريد به الصدّ عما هو أكبر منه ؟ قال : معاذ اللّه أن يكون من أعمال الشيطان أو من صفاته أن يدعو إلى خير قلّ أو كثر ، واللّه سبحانه يقول : إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ [ البقرة : 169 ] . وهو أشدّ عداوة لابن آدم من أن يدعوه إلى خير ، لعلمه بأنه إذا فعل ما يدعوه إليه فإنّ اللّه يأجره على ذلك ، ولا يأمن أن يدعوه فيتخذه عادة ، ولا يأمن أن يدعوه فيأجره اللّه على أحسن أحواله ، وإنما يقول هذا من قلّ علمه بعداوة الشيطان . قلت : فهل يدعو إلى خير هو أقلّ من خير آخر ، إذ زعمت أنه لا يدعو إلى الزيادة فيدعو إلى النقصان ؟ قال : لا يدعو الإنسان إلى فعل خير قلّ أو كثر ، لا إلى زيادة في خير ، ولا إلى خير هو أقل من خير .

--> ( 1 ) الوهن : الضعف في العمل أو الأمر أو البدن .