الحارث المحاسبي

24

المسائل

وهكذا المتكبر نال من اللّه كبير النعم ، فهو ينظر إلى نفسه بالعظم ، وليس بذاكر حسن صنيع مولاه إليه . فكل المتكبرين يعظمهم كل من كان جاهلا في الدين ، فلا خير في قرب متكبر ، لأنه لا يصاب منه فضل في الفرع ولا في الأصل . فيريد منك ما يمنع ، ويسألك ما مثله يبذل ، فلا يرضى بصحبة المتكبرين إلا من حلّ بالمهانة ، وعظمت منه لغير اللّه الاستكانة ، فما للّه عليه من النعم شيء يتصنع شكره من قلة ذكره له . يريد أن ينظر الناس إليه بما ينظر به إلى نفسه ، فهو مستعظم لكلّ ما صار إليه وجاهل بقلة عمله ، إن أعطى استكبر ، وأن سئل بطر ، يفخر في سؤاله ، ويجفو في ثوابه . يكدر ما يعطى بكثرة الامتنان لاستكثاره عطاءه ، وكل من استكبر من أجل عرض فإن كان ثمنه الأقل ، فلا يلقاه إلا جافيا ، إذ كان لا يرى أن له مكافئا . نظر إلى نفسه بعظيم المقدار ، وحلّ من اللّه بالمهانة والصغار ، وقد علاه من اللّه تعالى ذل الكبر ، فألبسه منه رداءه ، فغلبته الجفوة ، واستبطن الغلظة . نظر إلى نفسه بالعز ، وبالمهانة حلّ ، إذ أزال من قلبه للّه الذل ، فعليه طول العمر لغير اللّه الذل ، وعزه بعين اللّه قليل ، إذا أراد النقلة إلى منزلة أفضل مما هو عليه سقط . فلو لم يترك العاقل الكبر إلا لأنه ليس بمنزلة حميدة يحلّ بها من يفخر على من دونه ، وإلا لأنه علة أكبر من فخره على من دونه لكفى . بل يتواضع لمن دونه ، ويحلّ بالاستكانة ، وهو صاغر . فإن نظر إلى نفسه على الحق ، فإنّ به إلى اللّه من الحاجة ما يعرف به صغر مقداره ، وإنه لا ينبغي أن يجاوز حاله ، فيرى نفسه قد حلّت من ضعف الحيلة والمسكنة ، والحاجة لاستجلاب المنافع ، واستصراف المضار ، ما يعرف به أنه عبد ذليل ، بل عليه المنة من القادر الجليل . الرياء « 1 » والوسوسة قلت : الرياء الذي قليله شرك ما هو ؟ وما الرياء الذي ليس بشرك ؟

--> ( 1 ) راءاك مراءاة ، ورئاء ، ورياء : أراك نفسه على خلاف ما هو عليه . فهو مراء ( ج ) مراؤون والاسم : الرياء .