الحارث المحاسبي

25

المسائل

قال : أما الذي قليله شرك ، فهو أن يظهر الإنسان من فعله ما لا يرغب به في ثواب اللّه ، ولا يرهب من عقابه ، ويسّر في نفسه العبادة لغير اللّه ، ويظهر للناس أنه يعبد اللّه . فهذا هو الذي قليله شرك ، لأنه لا يعبد اللّه في سره ، ويرى أنه يعبده في جهره ، وهو من صفة المنافقين . وأما الرياء الذي ليس بشرك ، وصاحبه قائم عليه ، فهو رياء أهل التوحيد ، الذين وحدوا اللّه في السر والعلانية . والرياء منهم ، أنهم أظهروا الخير لا لرغبة في ثواب الآخرة ، غير أنهم رغبوا فيما في أيدي غيرهم ، ونظروا إلى الناس يعظمون بعضهم بعضا ، ويثيبون على التقى ، فأظهروا ما يرجون عليه من الناس الثواب . وقد سئل حكيم من الحكماء : لم راءى الناس بعضهم بعضا ؟ فقال : « من حاجة بعضهم لبعض » . ومن فضل الرجل إذا راءى رجلا يحتاج إليه راءاه بمثل مذهبه ، إن كان الدين مذهبه راءاه بالدين ، وإن كانت الدنيا مذهبه راءاه بها ، وإن كانت الملاهي مذهبه فما يرائي . فأهل الدنيا بالدنيا يراؤون ، وأهل الدين بالدين يراؤون . فمن احتاج إلى عبد ، فعظمت رغبته فيما في يديه ، راءاه بأحبّ الأشياء إليه . ومن أظهر شيئا من الدين لا يريد به ثواب الآخرة ، وإنما يريد به أن يطمئن الناس إليه ويظهر لباس الدين عليه ، يتجمل بما يظهر من حسن فعاله ، ويتجنب أن يصغّر بأقبح أعماله ، فهذا مراء ليس رياؤه بشرك . قلت : الرجل يعمل العمل يريد به الآخرة ، ويعبد اللّه في السرّ والعلانية ، غير أنه يحب أن يظهر عليه ، وينسب حسن الفعل إليه ، أكون هذا مرائيا ؟ قال : الناس في هذا ضروب شتى : فمنهم عالم ، ومنهم جاهل . فإذا كان عالما ، فإنما يريد أن يظهر أفعاله ليقتدي بها أمثاله ، ويظهر عليه لباس التقوى ، فيدعو الناس إلى ما يظهر من فعاله ، مع ما يظهر من مقاله ، فهذا عالم ، وقد أحسن وأصاب إذا أحب أن يظهر عليه لباس الدعاء إلى اللّه تعالى ، وليس كما رغب غيره . فعلى العالم أن يحب أن يعظم ، ولا يستخف به إذا تكلم ، أن يعظم لا ليحمل الناس على دنياهم ، ولكن ليكونوا أقبل منه إذا دعاهم إلى ما يحييهم من دين اللّه .