الحارث المحاسبي
95
الرعاية لحقوق الله
وأما جزعك من تلذيع ذكر العقاب ، فكيف جزعك من مواقعته ؛ فالفكرة فيه أيسر من مباشرته ، فتحمّلي تلذيع ذكره للنجاة من الخلود فيه . وأما فرارك من النظر فيما ينجيك من عذاب اللّه عز وجل كراهية أن ينغص عليك لذاتك في دنياك ، فكيف بالتنغيص عليك لذات الآخرة ، وحرمان ما فيها من نعيمها ؟ مع أن اللّه جلّ وعزّ ليس بتاركك إن صدّقته مع ما تنالين من نعيم الآخرة ، حتى ينعمك بطاعته في الدنيا ، ففي نعيم الطاعة في الدنيا والظفر بنعيم الآخرة عوض من تنغيص لذات الدنيا . وليس لذّات الدنيا بنعيم لو تعقلين ، بل شغل قلب لا ينقضي ، وهمّ لا ينفد ، وحرص لا راحة معه ، مع ظلمة القلب إذا سلبت بمعصية اللّه عزّ وجلّ نور الطاعة والتنعيم بها ؛ فالذل والهمّ في لذّاتك بالدنيا ، والعزّ والغناء والنعيم في الاستبدال بها النّعيم بطاعة ربك جلّ وعزّ ؛ لأن ترك اللذة للّه عزّ وجلّ ألذّ عند المريد ، وأبقى في القلب لذّة من اللذة بمواقعة ما كره اللّه عزّ وجلّ ، لأن العبد يصيب اللذة ساعة أو أقلّ من ساعة ، ثم يعقبه الندم الطويل ، وإذا تركها للّه عزّ وجلّ ، ثم ذكر أنه تركها لطلب رضاه ، فكلما ذكرها أمّل ورجّى أن يكون قد رضى عنه بتركه لها ، ووجد سرور ذلك ولذّته ، فيبقى ذلك السرور في قلبه حتى يموت . قلت : قد تخف عليّ الفكرة ولا أعرف طريقها ، فما الذي يفتحها ؟ قال : اجتماع الهمّ مع المطالبة بالعقل والتوكل على الربّ لا على العقل . وقد وصف اللّه عزّ وجلّ المستمعين لما يحبّ باجتماع الهمّ ، فقال عز من قائل : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ « 1 » .
--> ( 1 ) ق : 37 .