الحارث المحاسبي
298
الرعاية لحقوق الله
المضطر ، أو الرحم ، فإنها فيهم أسهل ، وأرجو أن تجزيه النيّة الأولى ؛ لأنه إذا سأله العالم أو العابد الذي يحبه للّه عزّ وجلّ حاجة فقضاها له فإنما هو للحب المتقدم للّه عزّ وجل ، والرغبة في العلم ، أو لحب العلماء ، أو لإغاثة اللهفان أو المضطر ، أو صلة الرحم ؛ فذلك يجزيه إن شاء اللّه عزّ وجلّ ما لم تعترض له خطرة رياء يقبلها ، إلا أن يكون هؤلاء قد تقدم في قلبه رجاء مكافأتهم أو خوف ملامتهم أو حب محمدتهم ، يعرف ذلك من نفسه ، فلا يجزيه إلا أن تجدد النيّة . فأما من لا يعلم أن نفسه تريد ذلك منه فهي تجزيه إن شاء اللّه عزّ وجلّ النية المتقدمة ما لم يقبل خطرة رياء ؛ ولا سيّما من يحب في اللّه عز وجل خاصة ، فإن كل أمره عندي هو للّه عز وجل ، ما لم تعرض خطرة رياء فيقبلها لغير اللّه . وخصلتان تغمض النية فيهما : إرادة سرور المؤمن ، وإرادة منفعته بما يعلمه العالم ، فلا يتم السرور والمنفعة له إلا بالعلم ، فالعلم يغمض ويلتبس ؛ لأنك تريد أن تسرّه ليحمدك على ما أدخلت عليه من السرور ، وتعلّمه فينتفع فيحمدك ويعظمك ، إذا رأى منفعة في دينه أنها بما علمته ، فيحمدك إذا نال الطاعة بما علّمته ، فمن أجل أنك تريد سروره ومنفعته تغفل وتظن أنك تريد اللّه عزّ وجلّ بذلك ، وإنما تريد أن يحمدك ويبرّك ويعظمك . قلت : فكيف الإخلاص فيهما ؟ قال : أن تكون إنما تريد أن تدخل عليه السرور لتؤجر على سروره ؛ لا ليحمدك ، وتريد أن ينتفع بما تعلمه ؛ ليعمل به فتؤجر فيه ، ويكون لك مثل أجره ؛ لا تريد بذلك أن يحمدك ولا يعظمك ولا يبرّك . * * * * *