الحارث المحاسبي
294
الرعاية لحقوق الله
باب ما يجوز للعبد أن يقطع أنه أخلص فيه للّه وما لا يجوز له منه قلت : فهل يجوز لأحد أن يقطع أنه أخلص للّه عملا ، إذ لم يعلم رياء خالطه ، أو الخوف والشك أولى به ؟ قال : أما قبل أن يبتدئ في العمل ، فلا يجوز له أن يدخل العمل حتى يعلم أنه قد أراد اللّه به ولم يرد غيره ؛ لأنه لا يجوز له أن يدخل في العمل ولا يدري ما يريد به ، فعليه أن يكون متيقنا بأنه قد أراد اللّه عزّ وجلّ بذلك العمل وإلا لم يدخله . فإذا علم أنه قد أخلص فأراد اللّه عز وجلّ وحده دخل في العمل على ذلك ، فإذا مضى عليه من الأوقات - ولو كان كطرف العين - مما يمكن المخلوق فيه النسيان والسهو فالخوف أولى به ، لأنه لا يدري لعله قد خطرت خطرة بقلبه : رياء أو عجب أو كبر أو غيره ، فقبلها وهو ناس لا يذكر أنها رياء فيكون مشفقا خائفا . قلت : فإذا كان شاكّا في عمله فكيف يرجو على الشك ويأمل الرضا من اللّه عزّ وجلّ ؟ قال : أما الشك في أنه لا يدري دخل العمل بإخلاص أم لا فلا يجوز في ذلك الشك ؛ إذ قد علم أنه قد دخل وقد أراد اللّه عزّ وجلّ وحده ، وأما الشك خوفا من أن يكون قد أحصى اللّه عزّ وجلّ عليه قبول خطرة نسيها هو ولم يفطن لها فنعم ، فالخوف على عمله والوجل والإشفاق من أجل ذلك .