الحارث المحاسبي

229

الرعاية لحقوق الله

فقد جمع زي أهل الدين والدنيا ليحظى عند أهل الدين والدنيا . ومنهم من يحب أن يبجله الملوك والسلطان والقراء على الدين ، وينفق عند جميع أهل الفرق ، فيبالغ في الثياب ، والحمار الفاره والدابة الفارهة « 1 » ؛ يريد حمدهم أجمعين ، فيدنو من السلطان على جهة الدين ، ويقضي الحوائج لأهل الدين ، ويجالسهم تصنّعا وتزيّنا . ومنهم من يتقرب بالطاعة عند أهل الهدى والضلال ، ليقيم وجهه عند أهل الحق وأهل الباطل : يلقى هؤلاء بما يحبون ، وهؤلاء بما يحبون ، وهذا شرّ الفرق من أهل الرياء والتصنع ، ليتقرب إلى أهل كل طبقة بما ينفق عندهم . ومنهم من لو جعل له مفروح ما قوى أن ينتقل مما قد ألفه وعرف به من الزي في دينه ، فمن يلبس منهم الصوف والثياب الخشنة الدون ، لو قيل : تلبس المرّوية « 2 » أو اللينة الجيدة أو الرقاق ، لكان عنده قريبا من الذبح ؛ كراهية أن يقول الناس فتر عن طريقه ، وركن إلى الدنيا بعد تقشفه . ولو قيل لأهل الطبقة الوسطى ممن يلبس الأوسط من المروي ، أن يلبس الثياب الرقاق الجيدة والأكسية الرقاق المرتفعة أو الكتان الرقيق ، لكان عنده قريبا من الذبح ، كراهية أن يقال ركن إلى الدنيا ورغب فيها ، وكذلك لو قيل لأهل هذه الطبقة ، أن تلبس الصوف والثياب المخرقة الوسخة شق ذلك عليه ، كراهية أن يحقره أهل الدنيا وينظروا إليه بالازدراء ، يريد ألا يحقّر ويريد أن يحمد على زي الصالحين ، ولا يقوى أن يغير ذلك الزي إلى ما هو أرفع منه كراهة أن يظن به رغبة في الدنيا .

--> ( 1 ) الشئ الفاره هو الجيد المليح . ( 2 ) ثياب ناعمة منسبوبة إلى مرو من بلاد فارس .