الحارث المحاسبي
225
الرعاية لحقوق الله
وكيف يعتقدهنّ عاقل وهنّ يضررن به الضرر الأكبر العظيم ، لغير منفعة ولا دفع مضرّة ؟ ما يكون هذا بعد هذا البيان إلا من الحمقى المجانين ، وربّما اتقى بعض الحمقى مثل هذا في دنياهم من الذي يتلف ماله أو يقطع بعض جوارحه ، أو يقتل ولده بغير اجترار منفعة ولا دفع مضرّة . وقد روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما يبيّن لك ذلك مع ما أنزل اللّه عز وجل في كتابه ، أن رجلا ، وهو شاعر بني تميم ، قال : إنّ حمدي زين وإن ذمّي شين « 1 » ، قال : « كذبت ، ذلك اللّه عز وجل » « 2 » . فإذا كان لا يزين حمد غير اللّه عز وجل ، ولا يشين ذمّ غيره ، واستقرّ ذلك عند العبد العاقل ، استوى حامده وذامّه في طاعة اللّه عز وجل ، إلا طبع ينازعه قد قمعه بعقله وغلبه بعمله . ومع ذلك لو كان ينفعه حمدهم ويضرّه ذمّهم ، لكان قد جهل طلب الحمد والفرار من الذم ؛ لأنه لا يعلم الناس أنه يريد حمدهم على طاعة ربّه عز وجل ؛ لأن إرادته مغيبة عنهم في قلبه ، أحبّ حمدهم أو لم يحبّه ، فالأمر في الظاهر واحد وليس عند اللّه عز وجل بواحد ، هو في الظاهر متطهّر ، وفي الباطن نجس فاجر القلب ، قد أضمر في القلب من إرادتهم ما لا يظهر لهم فيحمدوه أو يذمّوه ، ولو أبطن الإخلاص بإرادة اللّه عز وجل وحده ، لكان الأمر
--> ( 1 ) الشّين : العيب ، وهو عكس الزين . ( 2 ) الحديث عن البراء بن عازب ، وهو في سبب نزول قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ الحجرات : 4 ] أخرجه الترمذي في تفسير سورة الحجرات 9 / 152 ، 153 ( 3320 ) وقال : حسن غريب ، والنسائي في التفسير 2 / 319 ( 535 ) بإسناد صحيح ، وابن جرير الطبري في التفسير 26 / 77 . والرجل هو الأقرع بن حابس التميمي ، وقد روى هو ذلك عن نفسه ، كما أخرجه أحمد 3 / 488 و 6 / 393 ، 394 ، والطبري 26 / 77 ، والطبراني في الكبير 1 / 300 ( 878 ) ، وصحح السيوطي في الدر المنثور 6 / 86 إسناده ، بينما رجح ابن حجر أن الإسناد مرسل في الإصابة 1 / 58 .