الحارث المحاسبي
226
الرعاية لحقوق الله
واحدا عندهم ، بل لو اطلعوا على ما في قلبه فعلموا أنه يريد حمدهم على طاعة ربّه ، أو الطمع لما في أيديهم أو خوف ملامتهم ، لمقتوه على ذلك ، مع ما يتعرض لمقت اللّه عز وجل أيضا ، ما هو إلا شئ يعتقده في قلبه ، ولا معنى له إلا البلاء والضرر في الدين والدنيا والآخرة غدا عند اللّه عز وجل ، فلو كان ينال بحمدهم منفعة وزينا ، وبذمّهم ضررا وشينا ، كان قد أخطأ طريق طلب الحمد والفرار من الشين . فكيف وليس أحد ينفع حمده إلا اللّه ، فلا يضرّ ذمّه إلا اللّه عز وجل ، إذ لا شريك له في ملكه ، ولا مدبّر لغير ما أراد في سلطانه . فهذا الذي يصغر ما تأمل النفس من هذه الخلال ، ويعظّم المعرفة بضررها وألا منفعة فيها ، فإذا ثبتت هذه المعرفة ورّثت القلب الزهد فيها والرفض لها ، فضعفت دواعي الرياء في قلبه حين يعرض من نفسه وعدوه ، فينكسر الطبع ، ويخشى العدوّ ، ويتمكن الإخلاص ، ويصفو العمل ، ويطهر القلب ، ويستأهل العبد الإقبال من اللّه عز وجل عليه ، والمعونة له ، ويجتمع همّه فيصير واحدا في معاملته لخالقه ومولاه ، ويستريح من تشتت الهموم في معاملة الخلق ، ويعتق من ذلّة الرياء ، وتضرعه للعباد ، واهتمامه برضاء واحد وبسخط آخر ؛ لأنه علم أن معاملة الخلق لا معنى لها ، وأن معاملة اللّه عز وجل فيها خير الدنيا والآخرة . * * * * * *