الحارث المحاسبي

224

الرعاية لحقوق الله

وأما الطمع لما في أيديهم فإنه لم ينل ما لم يقدّر له ، وإن كان نال شيئا فإنما نال ما قدّر له ما لو كان أخلص عبادة ربّه لنال ما نال لا محالة ، فأحبط عمله وتعرّض لمقت ربّه وحرمان ثوابه ، من غير ازدياد في رزق ولا أجل ، ولا اجترار منفعة في دين أو دنيا على ما قدر له ، فكيف لا يزهد عاقل فيما يضره في الدنيا والآخرة بغير اجترار منفعة في دنياه ؟ « 1 » . وأما المذمّة فإنه لا ينزل به من البلاء ما لم يقدّر له ، ولن يناله من الذم ما لم يقدّر ولا يناله من الذم إلا ما لو أخلص لكان ذلك الذمّ حمدا ، ولعله قدّر أن يلقى كذبه في قلوبهم فيذمّوه إذ فرّ من ذمّهم ، ولا يصرف مخافة ذمهم شيئا من العاقبة والرزق ، ولا يقطع من الأجل ما قدّره الرحمن جلّ وعزّ ، فحبط عمله من غير دفع مكروه من البلاء ولا زوال محذور من المقدور ، وما لم يقدّر فليس بمصيبه أبدا « 2 » . فكيف لا يزهد عاقل في هذه الخلال الثلاث إذا عرف ضرهنّ ، ولا ينال منفعة في دنياه بشئ منهنّ ، وأن أمر اللّه مفروغ منه ، وأن هذه الخلال الثلاث خدعة وغرور ، تضر الضرر الأكبر ولا تنفع في شئ من الأشياء ، فإذا عقل العبد هذا كما وصفت له : أنه يحبط عمله ، ويبطل أجره ، وتشّتّت همومه ، ويتعرض لمقت ربّه عزّ وجلّ ، ويحجب قلبه عن الخير من عند اللّه عزّ وجلّ ، من غير زيادة منفعة ولا دفع مضرّة ، زهد في هذه الخلال الثلاث ولم يعتقدهنّ ،

--> ( 1 ) قال أبو واقد الليثي رضي اللّه عنه : « تابعنا الأعمال أيها أفضل ، فلم نجد شيئا أعون على طلب الآخرة من الزهد في الدنيا » ( مصنف ابن أبي شيبة ( 16472 ) وغريب الحديث لأبي عبيد ( 4 / 172 ) ( 2 ) يعني أن ما لم يقدره اللّه لا يمكن أن يحدث أبدا ، فإذا لم يقدر لك الخير فلا يمكن أبدا أن يأتيك الخير ، وإذا لم يقدر لك البلاء ، فلا يمكن أبدا أن ينزل بك البلاء .