الحارث المحاسبي

176

الرعاية لحقوق الله

باب الاستعداد للموت وقصر الأمل قلت : أخبرني عن الاستعداد للموت ما هو ؟ قال : الاستعداد على وجهين : أحدهما : واجب وهو الذي تأسّف على فواته النادمون عند الموت ، وهو أن يتوب العبد توبة طاهرة عن الذنوب والخطايا ، بأن لو قيل له : إنك تموت الساعة ؛ ما وجز عنده ذنبا يحتاج إلى التوبة منه ؛ فيسأل النّظرة من أجله . فإن كان يجد عنده ذنبا يحتاج إلى التوبة منه فلم يستعدّ للقاء ربه عزّ وجلّ ، لأنه لا يؤامر في إخراج روحه والموت يأتيه بغتة ، فإن جاءه الموت وذلك الذنب عنده لم يأمن أن يغضب اللّه عزّ وجلّ عليه . وكيف يكون مستعدّا للقاء اللّه عزّ وجلّ ، من هو مقيم على ما يغضب اللّه عزّ وجلّ ، ولا يأمن أن يأتيه الموت أغفل ما كان ، والموت آتيه لا محالة . فللخوف من لقاء اللّه عزّ وجلّ على ما يكره ، بادر الخائفون بالتوبة قبل أن يسبقهم الموت إلى أرواحهم ، فيحال بينهم وبين التوبة والإنابة إلى ربهم ، ويندموا ندما لا يقبل ولا تقال عثراتهم ، فلذلك بادروا بالتوبة ؛ حذرا وإشفاقا من بغتة الموت على غرّة ، فهذا هو الاستعداد الذي أوجبه اللّه عزّ وجلّ على خلقه . والوجه الثاني : من الاستعداد هو نافلة ، كبذل المجهود من القلب والبدن ، وبذل ما تملّك من الدنيا إلا ما كان أولى به حبسه ، حتى لو قيل له إنك تموت غدا ما كان عنده مستزاد في عمله .