الحارث المحاسبي
177
الرعاية لحقوق الله
كما روى عن منصور بن زاذان : أنه كان يجتهد اجتهادا لو قيل له : إنك تموت غدا ما قدر أن يزيد في عمله « 1 » . فهذا الاستعداد يستحق اللّه عزّ وجلّ من خلقه أكثر منه ؛ لأن حقه لا يؤدى ونعمته لا تكافأ ، وعظمته لا عدل لها ، ولن يبعثك على الاستعداد للموت وقطع التسويف مثل قصر الأمل . قلت : بم ينال قصر الأمل ؟ قال : بخوف المعاجلة ببغتة الموت على غفلة ، لأن روح العبد عارية ، لا يدري متى يرسل المعير له فيأخذ عاريته ؟ فإذا خاف المعاجلة انقطع في الدنيا أمله ، وانتظر وبادر فيها أجله ، وكان مرتقبا لنزول الموت . قلت : بم ينال خوف المعاجلة ؟ قال : بعظيم المعرفة بإبهام الأجل ، وأن المؤجّل لا يناظره ولا يؤامره ، ولا يؤذنه إذا أراد إخراج روحه من بدنه ، بالاعتبار بالأموات قبله . قلت : فبم تنال هذه المعرفة وهذه العبرة ؟ قال : بإدمان الذكر والفكر في إبهام الأجل ونزول الموت حين حلوله ، وانقطاع العمر ، وذكر الأموات الذين أتاهم الموت بغتة . قلت : كيف إبهام الأجل حتى أتفكر فيه بمعرفة لتعظيم معرفتي بذلك ؟ قال : أما تعلم أن الموت ليس له وقت عند العبد معلوم ، فيخاف في ذلك الوقت ويؤمن في سائر الأوقات ، ليس ينزل بالعباد في الشتاء دون الصيف فيخاف من الشتاء ويؤمن في الصيف ، أو يحل بالعباد في الصيف فيؤمن في
--> ( 1 ) روى ذلك عنه أبو عوانة ، فيما أخرجه أبو نعيم في الحلية 3 / 58 .