الحارث المحاسبي

10

الرعاية لحقوق الله

ولا شك أن الحارث رحمه الله قد اطلع على مذاهب الزهاد الأوائل من أمثال الحسن البصري ، وإبراهيم بن أدهم وداود الطائي وشقيق البلخي ومعروف الكرخي وبشر بن الحارث الحافي وغيرهم ، وتأثر بهذه المذاهب في كثير من نواحي زهده الذي ضبطه بالكتاب والسنة . منعطف أساسي في حياة الحارث المحاسبي : يقول المحاسبي : « مضت علىّ ثلاثون سنة لم أسمع فيها شيئا إلا من رأسي ثم دارت علىّ ثلاثون أخرى لم أسمع فيها شيئا إلا من الله » « 1 » . هذه كلمة تبين لنا منعطفا هاما في حياة الحارث الذي عاش وسط أمواج مختلفة من العلماء والفقهاء والعباد وطلاب الدنيا ، مما جعله يفكر في سبيل القصد ، ويلتمس طريق السداد حتى وجده . وقد عبر الحارث عن هذا التحول ، مبينا بواعثه وظروفه وطبيعته في مقدمة كتابه « الوصايا » إذ يقول بعد مقدمة موجزه : « 2 » « أما بعد ، فقد انتهى إلينا أن هذه الأمة تفترق على بضع وسبعين فرقة ، منها فرقة ناجية والله أعلم بسائرها . فلم أزل ، برهة من عمرى أنظر اختلاف الأمة ، وألتمس المنهاج الواضح ، والسبيل القاصد ، وأطلب من العلم والعمل ، وأستدل على طريق الآخرة بإرشاد العلماء ، وعقلت كثيرا من كلام الله عز وجل ، بتأويل الفقهاء . وتدبرت أحوال الأمة ، ونظرت في مذاهبها وأقاويلها ، فعقلت من ذلك ما

--> ( 1 ) تذكرة الأولياء للعطار ص 225 . ( 2 ) الوصايا : ص 27 .