الحارث المحاسبي
11
الرعاية لحقوق الله
قدر لي . ورأيت اختلافهم بحرا عميقا قد غرق فيه ناس كثير ، وسلم منه عصابة قليلة ، ورأيت كل صنف منهم يزعم أن النجاة فيمن تبعهم ، وأن الهالك من خالفهم . ثم رأيت الناس أصنافا : فمنهم العالم بأمر الآخرة ، لقاؤه عسير ووجوده عزيز . ومنهم الجاهل ، فالبعد عنه غنيمة . ومنه المتشبه بالعلماء ، مشغوف بدنياه ، مؤثر لها . ومنهم حامل علم منسوب إلى الدين ، ملتمس بعلمه التعظيم والعلو ، ينال بالدين من عرض الدنيا . ومنهم متشبه بالنّسّاك ، متجر بالخير ، لا غناء عنده ، ولا بقاء لعلمه ، ولا معتمد على رأيه . ومنهم حامل علم ، لا يعلم تأويل ما حمل . ومنهم منسوب إلى العقل والدهاء ، مفقود الورع والتقى . ومنهم متوادون ، على الهوى يتفقون ، وللدنيا يتباذلون ، ورياستها يطلبون . ومنهم شياطين الإنس عن الآخرة يصدون ، وعلى الدنيا يتكالبون ، وإلى جمعها يهرعون ، وفي الاستكثار منها يرغبون ، فهم في الدنيا أحياء وعن العرف موتى ، وبل العرف عندهم منكر والسوء معروف . فتفقدت في الأصناف نفسي ، وضقت بذلك ذرعا . فقصدت إلى هدى المهتدين ، بطلب السداد والهدى ، واسترشدت العلم ، وأعملت الفكر ، وأطلت النظر ، فتبين لي في كتاب الله تعالى ، وسنة نبيه ،