الحارث المحاسبي

100

الرعاية لحقوق الله

العذاب عنده هاج في قلبه الخوف حتى لا يملكه ، فما مثل التخويف في جنب الخوف إلا كمثل الوقود في جنب الغليان ، كالموقد يوقد تحت القدر المملوءة ، فكلما أدام الوقود اشتدّ الغليان . فكذلك العبد : كلما أدام الفكر بالتخويف في ذكر العقاب وكثرة الأهوال وعظيم السؤال ، مع المعرفة بعظيم حقّ اللّه جلّ وعز ، وواجب طاعته ، وأنه لعامة ذلك مضيّع ، هاج الخوف ؛ فإذا هاج الخوف قذف القلب بالإصرار على الذنوب ، وسخا عنها نفسا ، فندم وتاب وخشع وأناب ؛ وكذلك الوقود كلما اشتدّ دوام الوقود اشتدّ الغليان ، فإذا اشتدّ الغليان قذفت القدر ببعض ما فيها ، فمن أدمن الفكر بالتخويف لنفسه فيما تهدّده ربّه وتوعده به هاج خوفه ، فأطفأ نار شهواته التي أصر عليها ، فسخا بترك الإصرار نفسا ، وأقلع عن الذنوب وخاف عاقبتها ، ولا سيما إذا أدمن الفكرة وهو يتلو كتاب اللّه عز وجلّ ، فيتفكر في وعده ووعيده ، وأهوال القيامة وشدائدها ، وتلك أنجع الفكرة إذا كانت بتلاوة كتاب اللّه عزّ وجلّ . * * * * * * * * * *