الأمير الحسين بن بدر الدين
91
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
وهذا نحو قولهم : اخترت كذا لنفسي ، وفعلته بنفسي « 1 » ، ليس يخطر ببال أحد أنّ النّفس في مثال ذلك شيء غير القائل ، وإنما أرادوا بذلك التمكن من الإخبار بأنّ الفاعل والمفعول واحد على ما بيّنّاه . ومن ذلك قوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ . الآية [ الزمر : 67 ] . قالوا : فدلّ على أنه قابض على الأرض ، وأنّ السماوات بيمينه . وذلك يدل على الأعضاء « 2 » . والجواب أنا قد دللنا على أنه ليس بجسم ، ولا يجوز عليه الأعضاء ، بأدلة العقل ومحكم القرآن ؛ فأما معنى ذلك فقوله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ، أي ما عظّموه حقّ عظمته . وقوله : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، أي يقدر عليها كما يقدر من الشيء في قبضته على ذلك الشيء . وعن ابن عباس قال في قوله تعالى : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ ، قال : في ملكه وقدرته . ومثله روي عن مجاهد « 3 » . وأما قوله : وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ، فقد ذكرنا أنّ الوجوه التي تحتملها اليمين في اللغة وتنطلق عليها خمسة . وفصّلنا ذلك في كتاب الإرشاد ، فلا نطول بذكره هاهنا ، بل نقصد معنى الآية ، فقوله : مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ، أي في قدرته يفعل ما يشاء بقوّته ، وذلك لأنّ معناه أن السماوات تطوى أي ترفع أعمادها بقدرته التامّة ، وقوّته الخفية ، وكذلك قوله :
--> ( 1 ) في ( ب ) : لنفسي . ( 2 ) ينظر في ذلك البخاري كتاب التفسير رقم 4533 ، و 4534 . ( 3 ) ينظر القرطبي 15 / 181 ، قال : إن معناها القدرة والإحاطة ، وهو منزه عن الجارحة والأعضاء .