الأمير الحسين بن بدر الدين
90
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
قالوا : فأثبت له نفسا فدل ذلك على مشابهته لنا . والجواب : أنا قد أبطلنا فيما تقدم ما ذهبوا إليه من أنه تعالى يشبه الأجسام ، وبيّنا أنه لا مثل له ولا نظير ، ودللنا على ذلك بأدلة العقول ، وأوردنا أدلّة الشرع على جهة التأكيد ؛ لذلك فلا يجوز حمل الآية على ما يخالف جميع ذلك ، ونقول : إنّ قوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ذكر عائد « 1 » على المحذّر ، وهذا كقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ [ آل عمران : 50 ] ، وقوله : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [ البقرة : 281 ] ، واليوم لا يتّقى ، وإنما يتّقى ما يقع فيه ، وذات اللّه لا تتّقى ، وإنما يتّقى فعل « 2 » منه . والعرف قائم يدل على أن المراد به العقاب الذي يفعله المحذّر ، وإن لم تكن العقوبة تسمّى نفسا في اللغة . ومثل ذلك مرويّ عن ابن عباس فإنه قال في قوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ، قال : عقوبته . وعن الحسن قال : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ، قال : عقابه ونقمته « 3 » . وأما قوله تعالى : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [ طه : 41 ] ، فمعناه لديني . وقيل : لإرادتي « 4 » . وقوله تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 154 ] فإنه ذكر عائد على الرب ، وعلى التاء في قوله : وَاصْطَنَعْتُكَ .
--> ( 1 ) المعنى : أن كلمة « نفسه » لا تدل على أن لله تعالى نفسا ، وإنما هي ذكر عائد ، أي ضمير عائد على اللّه ، فهي تشبه « فَاتَّقُوا اللَّهَ » ، كأنه قال : « ويحذركم اللّه اللّه » . وإعراب « ذكر » بالضم خبر إنّ ، وهو مضاف إلى عائد ، وفي بعض النسخ « ذكر » بالتنوين خبر أيضا وعائد بالضم والتنوين صفة لعائد ، والأول أدق . ( 2 ) في ( ج ) : بحذف فعل . ( 3 ) تفسير الرازي مج 4 ج 8 ص 15 . وتفسير الألوسي 3 / 202 عن ابن عباس . ولم يذكر الحسن . والدر المصون 4 / 113 . ( 4 ) الخازن مع البغوي 4 / 253 .