الأمير الحسين بن بدر الدين

57

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

عَلى عَقِبَيْهِ الآية ، [ البقرة : 143 ] . وقوله تعالى : وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ [ سبأ : 21 ] الآية ، وقوله عز وجل : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً [ الأنفال : 66 ] ، وقوله سبحانه : لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [ يونس : 14 ] ، وقوله تعالى : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] . فالمخالفون تعلقوا بهذه الآيات ، وقالوا : إنه لم يكن عالما قبل ذلك ، وإنما حدث له العلم ؛ لأنه لا يجوز أن يقول مثل ذلك وهو به عالم . والجواب : عن ذلك أنّ ما ذكروه لا يصح ؛ لأنّ العلم بحالهم وما كلّفهم لو لم يتقدم لقبح التكليف أصلا ؛ لأنه إنما يحسن من المكلّف أن يأمر « 1 » بما يعلم حسنه ، وأنّ المكلّف متمكن من فعله على الوجوه التي كلّف . فكيف يصح مع هذا أن يكون علمه بحالهم حادثا بعد التكليف عند فعلهم ما كلّفوا . على أنه ليس في ظواهر هذه الآيات ما ينبئ عن كونه غير عالم بما سيكون منهم ، وإنما فيه أنهم لا يدخلون الجنة حتى يعلم المجاهدين منهم ، وحتى يعلم من يؤمن . والعالم بالشيء « 2 » إنما يكون عالما به إذا علمه على ما هو به . فاللّه تعالى إنما يعلم المجاهد مجاهدا إذا جاهد ، ويعلمه مؤمنا إذا آمن ، وليس في ذلك نفي كونه عالما بمن سيؤمن وسيجاهد ، وهذا موضع الخلاف . فأما معنى هذه الآيات فهو أن أهل اللغة لفصاحتهم ، من عادتهم أن يخبروا عما يريدون الإخبار عنه بأن يعلّقوا الخبر والوصف بما يوجد عند وجوده ، وذلك يختلف : فمن ذلك تسميتهم النبوة رحمة ، في قوله تعالى : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [ الزخرف : 32 ] فسمّى النبوة رحمة لمّا كان إيتاؤه إيّاها

--> ( 1 ) في ( ب ) : يأمرهم . ( 2 ) في ( ب ) : بشيء .