الأمير الحسين بن بدر الدين
48
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
الوجه الثاني : أنه لا طريق إلى إثبات هذه المعاني القديمة ، وكلّ ما لا طريق إليه وجب نفيه . وإنما قلنا : إنّه لا طريق إلى إثباتها ؛ لأنه لا يدل شيء من أدلة العقول على إثباتها ، وقد دلّ العقل على أنه قادر ، وموجود ، ودلّ الإحكام في الصنع والإتقان على أنه عالم ، ودلّ الدليل المتقدم على أنه لا يكون قادرا عالما إلا وهو حي ، ودلّ على أنّه قديم ، وكذلك سائر الصفات على ما مضى بيانه في بعضها . والباقي سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ، وليس في شيء من هذه الأدلة ما يدل على المعاني التي ذكروها ، فثبت أنه لا طريق إلى إثباتها . وإنما قلنا : بأنّ كل ما لا طريق إليه وجب نفيه ؛ لأنّ إثباتها بغير دلالة يفتح باب كل جهالة . الوجه الثالث : أنّ تلك المعاني لا تخلو أن تحلّ في الله تعالى أو لا تحلّ . باطل أن لا تحلّ فيه تعالى وتوجب له ؛ لعدم الاختصاص به تعالى ، فكان يجب أن لا توجب له لعدم الاختصاص به . ثم لو سلمنا أنّها توجب مع فقد الاختصاص فلم تكن بأن توجب له أولى من أن لا توجب له وأولى من أن توجب هذه الصفات لغيره لعدم الاختصاص ، ألا ترى أنّ أحدنا لمّا كان قادرا بقدرة ، وعالما بعلم ، وحيّا بحياة وجب حلول هذه المعاني فيه ؛ ليكون بها قادرا وعالما وحيّا ، وباطل أن تحلّ فيه تعالى ، لأنّ المحالّ كلّها محدثة ، فإنا لا نعني بالمحال إلا المتحيّزات من الجواهر والأجسام ، وقد دللنا على حدوث جميعها . وهو تعالى قديم ، فلا يجوز حلولها فيه ، فكان لا بدّ من أحد أمرين : إمّا أن يكون محدثا لكونه متحيّزا أو محلّا ، وإمّا أن يكون المتحيّز قديما لاحتياج القديم إلى حلوله « 1 » . وكلا الأمرين محال .
--> ( 1 ) أي حلول المعنى في الذات لتؤثر كما يقولون .