الأمير الحسين بن بدر الدين
497
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
وصام نهاره وأنفق ماله في سبيل اللّه علقا علقا « 1 » وعبد اللّه بين الركن والمقام حتى يذبح بينهما مظلوما ، لما صعد إلى اللّه من عمله وزن ذرة حتى يظهر المحبة لأولياء اللّه والعداوة لأعدائه » « 2 » . وقد علمت أيها المسترشد شفقة الوالد على ولده ، وفرط محبته له ، فلما عصى اللّه تعالى ابن نوح قال له نوح عليه السّلام : يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ * قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [ هود : 42 - 43 ] ، ثم ظن نوح عليه السّلام أنه ممن وعده اللّه نجاته ، فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ [ هود : 45 ] . فأجابه اللّه سبحانه : قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ هود : 46 ] فعند ذلك تاب نوح عليه السّلام واعترف واستعاذ بالله عز وجل : قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ * قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [ هود : 47 - 48 ] . وهكذا قد عرفت عظم حرمة الوالد وحقه الذي ألزمه اللّه تعالى ولده وافترضه عليه فقال : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، وقال : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [ الإسراء : 23 - 24 ] ولو علم اللّه أدنى من « أفّ » لذكره ، وقال :
--> ( 1 ) العلق : النّفس . ( 2 ) رواه الناصر الأطروش في البساط ص 69 .