الأمير الحسين بن بدر الدين

29

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

وعن علي عليه السّلام أنه قال : « إيّاك والاستنان بالرجال ، يقول الرجل : أصنع ما يصنع فلان وانتهي عمّا ينتهي عنه فلان . ومما يختصّ إبطال تقليد الأكثر أن يقال : إنّ الكثرة ليست بدلالة للحق ، ولا القلّة علامة للباطل ؛ لما يشهد له الكتاب والسنة . أما الكتاب : فلأن اللّه تعالى قد ذمّ الأكثرين عددا ، فقال عزّ قائلا : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية [ الأنعام : 116 ] وقال تعالى : وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ [ المؤمنون : 70 ] . وقال : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف : 103 ] وقال تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ [ المائدة : 49 ] وقال : وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ [ المائدة : 66 ] إلى غير ذلك من الآيات . ومدح الأقلين فقال في كتابه المبين : وَقَلِيلٌ ما هُمْ « 1 » وقال : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] وقال : وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [ هود : 40 ] إلى غير ذلك من الآيات . وأما السنّة « 2 » : فما روي عن الحارث بن حوط ، قال لعلي عليه السّلام : أترى يا أمير المؤمنين أنّ أهل الشام مع كثرتهم على الباطل ؟ ، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : « إنّه لملبوس عليك ، إن الحق لا يعرف بالرجال ، وإنما الرجال يعرفون بالحقّ ، فاعرف الحقّ تعرف أهله قلّوا أم كثروا ، واعرف الباطل تعرف أهله قلّوا أم كثروا » « 3 » .

--> ( 1 ) قبلها قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ ص : 24 ] . ( 2 ) لم يورد المؤلف حديثا في استدلاله بالسنة وإنما أثرا لعليّ ( ع ) فلعله تجوّز أو اعتبر كلام الإمام علي في حكم السماع عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ( 3 ) انظر نهج البلاغة ص 740 . واليعقوبي 2 / 116 والسؤال فيهما عن أهل الجمل .