الأمير الحسين بن بدر الدين
30
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
ومن جهة النّظر أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يؤمن به في أوّل الإسلام سوى علي عليه السّلام من الرجال ، وخديجة من النساء « 1 » . وهم الأقلّون عددا . فلو كانت القلّة دلالة للباطل لكانوا على الباطل ، وكانت قريش لكثرتها « 2 » على الحق ، ومعلوم خلاف ذلك . وقال الله تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ [ البقرة : 213 ] ؛ فدل ذلك « 3 » على ما قلناه ، فثبت أن التقليد لا يجوز . فصل [ ما يجب على المكلف التفكر فيه ] : فإن قيل : قد دللتم على إبطال التقليد وعلى وجوب التفكر ففيم يتفكر المكلّف ؟ . قلنا : يتفكر في العالم وما فيه من عجائب التركيب وبدائع الترتيب ، فيحصل له العلم بالمرتّب والمركّب ، وقد قال تعالى :
--> ( 1 ) أجمع أهل السير والتواريخ أن عليّا أسلم بعد خديجة بيوم واحد ، وهي يوم الاثنين ، وعليّ يوم الثلاثاء . ينظر المستدرك 3 / 133 وصححه الذهبي . وسيرة ابن هشام 1 / 245 . وطبقات ابن سعد 3 / 21 . والإصابة 2 / 501 . والترمذي 5 / 598 رقم 3798 . ومجمع الزوائد 9 / 103 . وأسد الغابة 4 / 89 . والاستيعاب 3 / 200 . والطبري 2 / 309 وما بعدها . وابن الأثير 2 / 37 . والمنتظم 5 / 67 . وتاريخ الخلفاء للذهبي ص 624 . أما كتب الزيدية والإمامية والمعتزلة فبالإجماع أن الإمام علي أول من أسلم بعد خديجة ؛ لكن خصوم علي لم يرقهم ذلك فالتفّوا على هذه المزيّة ، وقالوا : عليّ أول من أسلم من الصبيان ، وزيد بن حارثة من العبيد ، وأبو بكر من الرجال ، وهكذا قسمت فضيلة السبق . غير أن هذا الالتواء لا يقوى على معارضة المتواتر ، وهو أنه أول المسلمين على الإطلاق ما عدا خديجة ، وما ذا لو فضل الله عليّا فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ، وأنا لا أستغرب هذا فلو كان بإمكان بني أمية أن ينكروا أن عليّا من المسلمين مطلقا لما ترددوا ؛ ولكن أنّى لهم ذلك ، فالأكف لا تحجب الشمس . والصديق لا يمانع من تقديم علي ولا ضير عليه في ذلك . ( 2 ) في ( ب ) ، ( ج ) : لكثرتهم . ( 3 ) أي كون الناس كانوا أمة كافرة مجمعة على الكفر .