الأمير الحسين بن بدر الدين

282

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

واعلم أيها المسترشد أن الأنبياء ( ع ) بشر من الناس كانوا يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، وهم مركّبون على الخطأ والنسيان إلا فيما أمروا بتبليغه فإنهم معصومون عن ذلك كما تقدم بيانه . وقد قال اللّه تعالى في نبينا عليه السّلام : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] فثبت أنه يعصمه عن نسيان ما أمر بتبليغه . وأما في غير ذلك فجائز عليهم النسيان . قال اللّه تعالى في آدم عليه السّلام : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [ طه : 115 ] . ومعنى قوله : فَنَسِيَ أي نسي النظر ، وهو فعله لا فعل اللّه تعالى . وقيل : النسيان هاهنا بمعنى التّرك أي ترك النظر . ومعنى قوله وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ، قيل : عزما على المعصية في المستقبل . وقال تعالى حاكيا عن موسى في اعتذاره إلى العالم عليهما جميعا السّلام : لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ [ الكهف : 73 ] . وروينا أن النبي محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صلّى بجماعة الظّهر خمس ركعات ساهيا فلما أعلموه بذلك استقبل القبلة وهو جالس ، وسجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع وسلّم « 1 » . وروي أنه سها عن التشهد الأوسط فلم يعد له ، ثم سجد سجدتي السهو بعد التسليم « 2 » . وكذلك فإنهم غير معصومين عن الشهوات ، بل هم مركّبون على شهوة القبائح والمعاصي ؛ لأنهم لو لم يكونوا كذلك لم يكن للواحد منهم ثواب في لزم نفسه وقمعها عن القبائح ، ولما كان محمودا على ترك اتّباع الشهوات ؛ ولكنهم أقوى على لزم أنفسهم عن

--> ( 1 ) المجموع للإمام زيد 123 ، وفي البخاري 1 / 411 رقم 1168 . ومسلم 1 / 402 . قبل التسليم . ( 2 ) البخاري 1 / 411 رقم 1167 . ومسلم 1 / 399 رقم 570 . قبل التسليم والغرض الاستدلال على سهو النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .