الأمير الحسين بن بدر الدين

176

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

رجلا منهم فقلنا له : كم كنتم ؛ قال : ألفا « 1 » . فقلّل بعضهم في أعين البعض الآخر ليقضي ما قضى من هزيمتهم . وهذا خلاف مذهب الحشوية ؛ لأن ترك التحفّظ والاستعداد من الكفار لمحاربة المسلمين غير قبيح ولا معصية عقلا وشرعا . أما من جهة العقل فلأنه قلّل المسلمين في أعينهم فلم يخشوا ضررا « 2 » يجب عليهم دفعه عقلا . وأما الشرع فلأن قتلهم واستئصال شأفتهم مباح من جهة الشرع ، فإذا فعل الله معهم ما لأجله تركوا الاستعداد والتحفظ ، وهو تقليل المسلمين في أعينهم فليس ذلك بأعظم من إباحة قتلهم ، وإيجاب قتلهم في بعض الأحوال ، وهذا واضح ، فبطل قولهم . ومنها قوله تعالى : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [ آل عمران : 154 ] قالوا : فدلّ على أن القتل بقضائه وقدره ، وهو فعله . والجواب : أنّ الكتب لم يأت في اللّغة ولا في القرآن بمعنى القضاء والقدر فسقط تعلقهم بذلك . ثم نقول : إن الكتب يأتي في اللغة والقرآن على وجوه أربعة : أحدها بمعنى الفرض والإيجاب كقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] أي فرض . وثانيها بمعنى الحكم كقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ [ الحج : 4 ] أي حكم عليه به . وثالثها بمعنى الإخبار كقوله تعالى : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [ الأنبياء : 105 ] أي أخبرنا

--> ( 1 ) أخرجه في الدر المنثور 3 / 342 ، والطبري في تفسيره مج 6 ج 10 ص 19 ، والزمخشري في كشافه 2 / 224 . والقرطبي مج 4 ج 8 ص 16 . ( 2 ) في ( ب ) : إضرارا .