الأمير الحسين بن بدر الدين
129
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
الثواب ، والكرامة بعد الكرامة « 1 » . وأما قوله تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين 15 ] ، فهذا لا تعلّق لهم به « 2 » ، فإن معناه أنهم مبعدون عن رحمة اللّه وثوابه . وروي عن قتادة أنه قال : معناه أنّ اللّه تعالى لا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم « 3 » ولهم عذاب أليم . أجرى اللّه تعالى ذلك كما جرت به العادة من الإخبار عن سوء حال الغير عند السلطان ، ومن يجري مجراه ، ولهذا يقال فيمن غضب عليه السلطان وسخط عليه : أبعده عنه وأقصاه وحجبه ، وأنه لا ينظر إليه ، أي لا يرحمه ولا يكلّمه إلى نحو ذلك ، وهو شائع في لغة العرب ، وما قدّمنا من الأدلة يعضد هذا التأويل ، ويكون موافقا لأدلة العقول ، ولئلّا يؤدي إلى مناقضة السمع . وأما قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] ،
--> ( 1 ) ينظر تفسير الطبري مج 14 ج 29 ص 239 . ( 2 ) قال القاضي عبد الجبار في متشابهه 2 / 683 في تفسير هذه الآية : لا تدل على ما تقوله الحشوية في أنه تعالى يرى يوم القيامة بأن يرفع عنه الحجب للمؤمنين فيروه ، ويحتجب عن غيرهم فيمنعون من رؤيته ؛ لأن هذا القول يوجب أن يكون تعالى جسما محدودا في مكان مخصوص ، ويجوز عليه الستر والحجاب ، ويراه قوم دون قوم ، ومن حيث يظهر في جهة دون جهة . والمراد بالآية : أنهم ممنوعون من رحمة اللّه ؛ لأن الحجب هو المنع ولذلك يقال فيمن يمنع الوصول إلى الأمير : إنه حاجب له ، وإن كان الممنوع مشاهدا له ، وقال أهل الفرائض في الأخوة : إنهم يحجبون الأم من الثلث ؛ إذا منعوها ، وإن لم يكن هناك ستر في الحقيقة ؛ فثبت بذلك أنه تعالى لم يمنعهم بذلك من رحمته وسعة فضله ، ليبعث السامع بذلك على التمسك بطاعة اللّه ، فيكون يوم القيامة من أهل الرحمة ، لا من المحجوبين عنها . ( 3 ) ينظر البغوي 6 / 386 . والكشاف 4 / 723 . وذكر أنه قول ابن عباس وقتادة وابن أبي مليكة .