الأمير الحسين بن بدر الدين

122

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

والجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أنه قد ورد في القرآن الكريم ما يبطل قولهم في الرؤية وهو ما قدمنا ذكره قبل هذا الموضع ، فإنه يدل على أنه تعالى لا يرى ، وليسوا بأن يتمسكوا بما ظنوا كونه حجة لهم على صحة قولهم أولى من أن يتمسكوا بما يشهد ببطلانه ؛ إذ القرآن كله واجب الاتباع ، وهكذا القول في السّنة ؛ لأنها قد وردت بما يشهد ببطلان التشبيه ، كما وردت بما ذكروه وتوهموا كونه دليلا على الرؤية ، فليسوا بأن يتمسكوا ببعض ذلك أولى من البعض . ونحن نورد بعضا مما يدل على أنه تعالى لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة من كلام الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ومن كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ، ومن كلام الصحابة ، ومن كلام أهل البيت ( ع ) ؛ ليتضح بذلك صحّة ما ذكرناه . فمن ذلك ما رواه جابر بن عبد اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « إنّ أحدا لا يرى ربّه في الدنيا ولا في الآخرة » « 1 » . وعن سمرة بن جندب قال : سألنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هل نرى ربنا في الآخرة ؟ قال : فانتفض ثم سقط فلصق بالأرض ، وقال : « لا يراه أحد ، ولا ينبغي لأحد أن يراه » . وعن ابن عباس أنه قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في دعائه في الوتر : « اللّهمّ إنك ترى ولن ترى » ، إلى غير ذلك من الأخبار . وروي من كلام أمير المؤمنين علي عليه السّلام في بعض خطبه : الحمد لله الذي يعلم خفيّات الأمور ، ودلت عليه أعلام الظّهور ، وامتنع على عين البصير ، فلا عين من أثبته تبصره ، ولا قلب من لم يره ينكره « 2 » . ومن كلام له وقد سئل : كيف عرفت ربّك ؟ فقال : أعرفه بما عرّف به نفسه من غير رؤية ، لا يدرك

--> ( 1 ) شرح الأصول الخمسة ص 270 . والمغني 4 / 229 . ( 2 ) النهج 171 .