ابن قيم الجوزية
29
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
على الهدى والغي على الرشاد ، والقبيح على الحسن ، والباطل على الحق ، وإنهم اختاروا من العقائد أبطلها ، ومن الاعمال أقبحها ، وأطبق على ذلك أساقفتهم وبتاركتهم ورهبانهم فضلا عن عوامهم وسقطهم . [ أكثر النصارى مقلدون ] ( فصل ) ولم يقل أحد من المسلمين إن ما ذكرتم من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد وراهب وقسيس كلهم تبين له الهدى ، بل أكثرهم جهال بمنزلة الدواب السائمة ، معرضون عن طلب الهدى فضلا عن تبيينه لهم ، وهم مقلدون لرؤسائهم وكبرائهم وعلمائهم - وهم أقل القليل وهم الذين اختاروا الكفر على الإيمان بعد تبين الهدى ، وأي إشكال يقع للعقل في ذلك فلم يزل في الناس من يختار الباطل ، فمنهم من يختاره جهلا وتقليدا لمن يحسن الظن به ومنهم من يختاره مع علمه ببطلانه كبرا وعلوا ، ومنهم من يختاره طمعا ورغبة في مأكل أو جاه أو رئاسة ، ومنهم من يختاره حسدا وبغيا ، ومنهم من يختاره محبة في صورة وعشقا ، ومنهم من يختاره خشية ومنهم من يختاره راحة ودعة ، فلم تنحصر أسباب اختيار الكفر في حب الرئاسة والمأكلة . [ من آمن بالنبي من رؤساء النصارى ] ( فصل ) وأما ( المسألة الثانية ) وهي قولكم : هب أنهم اختاروا الكفر لذلك فهل لا اتبع الحق من لا رئاسة له ولا مأكلة إما اختيارا وأما قهرا فجوابه من وجوه : « أحدها » إنا قد بينا إن أكثر من ذكرتم قد آمن بالرسول وصدقه اختيارا لا اضطرارا وأكثرهم أولو العقول والأحلام والعلوم ممن لا يحصيهم إلا اللّه ، فرقعة الإسلام إنما انتشرت في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف ، فدخلوا في دين اللّه أفواجا حتى صار الكفار معهم تحت الذلة والصغار وقد بينا إن الذين اسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أكثر من الذين لم يسلموا ، وأنه إنما بقي منهم أقل القليل ، وقد دخل في دين الإسلام من ملوك الطوائف ورؤسائهم في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خلق كثير ، وهذا ( ملك