ابن قيم الجوزية
30
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
النصارى على إقليم الحبشة ) في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما تبين له إنه رسول اللّه آمن به ودخل في دينه وآوى أصحابه ومنعهم من أعدائهم ، وقصته أشهر من أن تذكر ، ولما مات أعلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصحابه بالساعة التي توفي فيها وبينهما مسيرة شهر ، ثم خرج بهم إلى المصلى وصلى عليه ، فروى الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام المخزومي ، عن أم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت : لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي ، أمنا على ديننا ، وعبدنا اللّه لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه ، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا على أن يبعثوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة ، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ، ثم بعثوا بذلك مع عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص ، وأمروهما أمرهم ، وقالوا لهما : ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ، ثم قدموا إلى النجاشي هداياه ، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم . قالت فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جوار ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي . ثم قالا لكل بطريق إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم ، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم ، فإن قومهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم ، فقالوا نعم ، ثم إنهما قربا هدايا هم إلى النجاشي فقبلها منهم ، ثم كلماه فقالا له أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم اشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم ، فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه . قالت : ولم يكن شيء أبغض إلى عبد اللّه بن أبي ربيعة وعمرو ابن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم ، فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك ، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فاسلمهم إليهما ليردوهم إلى بلادهم وقومهم ، قالت فغضب النجاشي ، ثم قال : لا ها اللّه اذن لا