ابو جعفر محمد جواد الخراساني

48

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

كان بسبب بدوّ الفطرة عن غطائها وظهورها بعد خفائها « 1 » . هذا تمام الكلام في الفطرة وشواهدها . وقد تحصّل : أنّ هذه الدعوى غير تامّة لا في نفسها ، لأنّها دعوى على ما لم يكن من دون شاهد له ، لا من الوجدان ولا من العيان ، ولا في شواهدها لورودها لغير هذا الشّأن . بل التحقيق : أنّ هذه الدعوى ، يكذبها ما هو المعلوم المعهود بل المشهود من فطرة أرباب العقائد المختلفة وسيرتهم ؛ فإنّا نرى أنّ كلّ صاحب عقيدة إنّما يتوجّه عند الجائه واضطراره إلى ما يعتقده ، فيتوسّل به أو إليه ، ولا يرجع أحد منهم إلى الحق ؛ فكيف تصدّق الفطرة في خصوص المنكر الجاهل من غير عيان ولا شاهد ؟ بل مقتضى وحدة الطبائع أنّه لا يرجع إلى شيء ، لأنّه موقن بعدم قاهر غير عادي بعد انقطاع الأسباب . اللّهم إلّا أن يشاء اللّه شيئا وسع ربّي كلّ شيء علما ، نعم يرجع إلى اللّه وإلى الحقّ ، كلّ أهل باطل عند ظهور آثار الموت ومعاينة العذاب ؛ كما دلّت عليه السنّة والكتاب ، لكنّه من جهة المعاينة لا الفطرة ، واين هذا من تلك ؟ فتبصّر كيلا يشبّهون عليك الأمر ؛ كما أنّهم كثيرا ما يدلّسون أو يشبّهون هذه الفطرة ، بالفطرة العقليّة والفطرة الاستدلاليّة ، فإنّ الانسان مفطور على التحقيق ومجبول على الاستدلال ، حتّى أنّ ذلك مودع في الأطفال ، ولكن اين هذه أيضا من تلك ؟ فلا يغرّنك ما يأتون به من الأمثال ، فإنّ كلّها من أمثلة فطرة الاستدلال لا فطرة الانتقال عند شدّة الحال .

--> ( 1 ) . ونضيف أيضا على ما ذكرنا ، وجهين آخرين ، نثبت بهما أنّ السائل لم يكن من المنكرين وأنّ الصادق ( ع ) لم يكن مجيبا له بالفطرة : الاوّل : الفطرة عند القائل ، من دلائل التوحيد ، فإذا زال المانع عن ظهورها بسبب الاضطرار عن خفائها وظهرت آثارها ، سيحصل اليقين ؛ لأنها من الدلائل القطعيّة ، والمفروض أنّ هذا السّائل ، قد ابتلى بالاضطرار وبرزت فطرته عن الستّار وحصل له العلم في تلك الحال بالمبدأ الفعال ، فكيف يمكن مع ذلك فرضه منكرا أو زنديقا ؟ الثاني : أنّ العسكري ( ع ) إنّما استشهد بقول الصادق ( ع ) تأييدا وتمثيلا لما قرّره من أنّه تعالى مجيب لمن دعاه ومغيث لمن استغاث به ، ولا يستقيم هذا الاستشهاد إلّا بأن كان هذا السائل قد دعى اللّه حين ابتلائه بالغرق ، فاجابه واستغاث به فاغاثه ونجاه ؛ ومع ذلك فكيف يمكن فرض كونه منكرا وكون الصادق ( ع ) مجيبا ايّاه بالفطرة ؟ واين يبقى بعد ذلك موقع للاستشهاد بكونه مجيبا لمن دعاه مغيثا لمن استغاث به ؟ فافهم وتعقّل !