ابو جعفر محمد جواد الخراساني

44

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

لا يدلّ على مرادهم ؛ فانّ الفطرة هنا لا يراد بها فطرة معرفة الصانع ، بقرينة يهوّدانه وينصّرانه ، إذ اليهود والنّصارى مقرّون بالرّب ؛ بل المراد بها الفطرة الأوليّة ؛ أي الطبيعة السّاذجة الصرفة الخالية ، الّتي يتمكّن معها من قبول الحق وتمييز الباطل . ويؤيّده « 1 » ما في الكافي عن أبي عبد اللّه ( ع ) ، قال : « إنّ اللّه - عزّ وجلّ - خلق النّاس كلّهم على الفطرة الّتي فطرهم عليها ، لا يعرفون ايمانا بشريعة ولا كفرا بجحود ، ثمّ بعث اللّه الرسل تدعو العباد إلى الأيمان به ، فمنهم من هدى اللّه ومنهم من لم يهد اللّه . » « 2 » ومنها « 3 » : خطبة الرضا ( ع ) بمحضر المأمون : « بصنع اللّه يستدلّ عليه ، وبالعقول تعتقد معرفته ، وبالفطرة تثبت حجّته . . . » « 4 » ؛ لكنّ هذه الخطبة توافق خطبة أمير - المؤمنين ( ع ) في أكثر العبارات ، وهذه العبارة بعينها في خطبته ( ع ) موجودة ، وفيها : « بالفكر تثبت حجّته » « 5 » ؛ وعن جامع الأخبار أيضا عن أمير المؤمنين ( ع ) : « وبالتّفكر تثبت حجّته » ؛ فاحتمال التصحيف في خطبة الرضا ( ع ) ظاهر ؛ مع أنّ ثبوت الحجّة بالفكر ، اظهر وانسب من ثبوته بالفطرة . مع أنّه لا يبقى بعد قوله ( ع ) : « بصنع اللّه يستدلّ عليه وبالعقول تعتقد معرفته » للفطرة معنى ولا مجال ، خصوصا أنّه ( ع ) قال ( بلا فصل ) : « جعل الخلق دليلا عليه فكشف به عن ربوبيّته » ، فلو كانت الفطرة ثابتة وبها تثبت الحجّة ، فأيّ معنى بعدها لجعله الخلق دليلا عليه وكاشفا عن ربوبيّته ؟ ولو بنينا على أنّ العبارة غير مصحّفة ، فالفطرة قابلة للحمل على الشّرع والدين ، فالمعنى أنّ بشرعه تعالى الدين ؛ كما قال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً . . . « 6 » ، ثبتت حجّته ؛ كما قال : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ . . . « 7 » . ويمكن أن تكون الفطرة من الفطور بمعنى الحدوث ؛ كقوله اي الرضا ( ع ) أيضا : « مستشهد بكلية الأجناس على ربوبيّته ، وبعجزها على قدرته ،

--> ( 1 ) . ويؤيّده أيضا أنّه على ما قالوا لم يبق للمرتدّ نوع واحد وهو المرتدّ الفطري ؛ بل الكافر ليس إلّا قسما واحدا ، لأنّ كلّ أحد يولد على الفطرة . ( 2 ) . المصدر 69 : 212 / 1 . ( 3 ) . المصدر 4 : 228 / 3 . ( 4 ) . المصدر 4 : 253 / 6 . ( 5 ) . المصدر 3 : 55 / 28 . ( 6 ) . شورى 42 : 13 . ( 7 ) . نساء 4 : 165 .